تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
شربا أسقيته ، وهذا قول من قرأ « نسقيكم » ، لأن ألبان الأنعام من المستمر للبشر ، وأنشد من قال إنهما لغتان بمعنى ، قول لبيد : [ الوافر ]
سقى قومي بني بدر وأسقى * نميرا والقبائل من هلال
وذلك لازم لأنه لا يدعو لقومه بالقليل ، وقرأ أبو رجاء « يسقيكم » بالياء أي يسقيكم اللّه ، وقرأت فرقة « تسقيكم » بالتاء وهي ضعيفة وكذلك اختلف القراء في سورة المؤمنين وقوله
مِمَّا فِي بُطُونِهِ
، الضمير عائد على الجنس وعلى المذكور كما قال الشاعر : مثل الفراخ نتفت حواصله ، وهذا كثير لقوله تعالى
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ
[ الإنسان : 29 ]
فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ
[ المدثر : 55 ] وقيل : إنما قال :
مِمَّا فِي بُطُونِهِ
، لأن الأنعام والنعم واحد فرد الضمير على معنى النعم وقالت فرقة : الضمير عائد على البعض ، إذ الذكور لا ألبان لها ، فكأن العبرة إنما هي في الأنعام ، و « الفرث » ما ينزل إلى الأمعاء ، و « السائغ » السهل في الشرب اللذيذ ، وقرأت فرقة « سيّغا » بشد الياء ، وقرأ عيسى الثقفي « سيغا » بسكون الياء وهي تخفيف من سيغ كميت وهين ، وليس وزنهما فعلا ، لأن اللفظة واوية ، ففعل منها سوغ ، وروي أن اللبن لم يشرق به أحد قط ، وروي ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . قوله عزّ وجل :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 67 إلى 69 ]

وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 67 ) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 ) قال الطبري : التقدير
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ
ما
تَتَّخِذُونَ
، وقالت فرقة : التقدير
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ
شيء
تَتَّخِذُونَ مِنْهُ
، ويجوز أن يكون قوله :
وَمِنْ ثَمَراتِ
، عطفا على
الْأَنْعامِ
[ النحل : 66 ] أي ولكم من ثمرات النخيل والأنعام عبرة ، ويجوز أن يكون عطفا على
مِمَّا
[ النحل : 66 ] ، أي ونسقيكم أيضا مشروبات من ثمرات ، والسكر ما يسكر ، هذا هو المشهور في اللغة ، فقال ابن عباس : نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر ، وأراد بالسكر الخمر ، وبالرزق الحسن جميع ما يشرب ويؤكل حلالا من هاتين الشجرتين وقال بهذا القول ابن جبير وإبراهيم والشعبي وأبو زيد ، وقال الحسن بن أبي الحسن : ذكر اللّه نعمته في السكر قبل تحريم الخمر ، وقال الشعبي ومجاهد : السكر السائغ من هاتين الشجرتين كالخل والرب والنبيذ ، و « الرزق الحسن » العنب والتمر ، قال الطبري : والسكر أيضا في كلام العرب ما يطعم ، ورجح الطبري هذا القول ، ولا مدخل للخمر فيه ولا نسخ من الآية شيء ، وقال بعض الفرقة التي رأت السكر الخمر : إن هذه الآية منسوخة بتحريم الخمر ، وفي هذه المقالة درك ، لأن النسخ إنما يكون في حكم مستقر مشروع ، وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « حرمت الخمر