تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
بعينها ، والسّكر من غيرها » . هكذا في الرواية الصحيحة بفتح السين والكاف ، أي جميع ما يسكر منه حرم على حد تحريم الخمر قليله وكثيره ، ورواه العراقيون ، و « السّكر » بضم السين وسكون الكاف وهذا مبني على فقههم في أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فقليله حلال ، وباقي الآية بين ، وقوله تعالى :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
الآية ، الوحي في كلام العرب إلقاء المعنى من الموحي إلى الموحى إليه في خفاء ، فمنه الوحي إلى الأنبياء برسالة الملك ، ومنه وحي الرؤيا ، ومنه وحي الإلهام ، وهو الذي في آياتنا هذه باتفاق من المتأولين ، والوحي أيضا بمعنى الأمر ، كما قال تعالى
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها
[ الزلزلة : 5 ] . وقرأ يحيى بن وثاب « إلى النّخل » بفتح الحاء و
أَنِ
في قوله
أَنِ اتَّخِذِي
مفسرة ، وقد جعل اللّه بيوت النحل في هذه الثلاثة الأنواع ، إما في الجبال وكواها ، وإما في متجوف الأشجار ، وإما فيما يعرش ابن آدم من الأجباح والحيطان ونحوها ، و « عرش » معناه هيأ ، وأكثر ما يستعمل فيما يكون من إتقان الأغصان والخشب وترتيب ظلالها ، ومنه العريش الذي صيغ لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر ، ومن هذا هي لفظة العريش ، ويقال عرش يعرش بكسر الراء وضمها ، وقرئ بهما ، قرأ ابن عامر بالضم وسائرهم بالكسر ، واختلف عن عاصم ، وجمهور الناس على الكسر ، وقرأ بالضم أبو عبد الرحمن وعبيد بن نضلة ، وقال ابن زيد في قوله :
يَعْرِشُونَ
قال الكروم ، وقال الطبري
وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
يعني ما يبنون من السقوف . قال القاضي أبو محمد : وهذا منهما تفسير غير متقن ، وقوله تعالى :
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
الآية ، المعنى ثم ألهمها أن كلي ، فعطف
كُلِي
على
اتَّخِذِي
، و
مِنْ
للتبعيض ، أي كلي جزءا أو شيئا من كل الثمرات ، وذلك أنها إنما تأكل النوار من أشجار ، و « السبل » الطرق وهي مسالكها في الطيران وغيرها ، وأضافها إلى « الرب » من حيث هي ملكه وخلقه التي يسر لك ربك ، وقوله
ذُلُلًا
يحتمل أن يكون حالا من
النَّحْلِ
، أي مطيعة منقادة لما يسرت له ، قاله قتادة ، وقال ابن زيد : فهم يخرجون بالنحل ينتجعون وهي تتبعهم ، وقرأ
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ
[ يس : 71 - 72 ] ، ويحتمل أن يكون حالا من « السبل » أي مسهلة مستقيمة ، قال مجاهد : لا يتوعر عليها سبيل تسلكه ، ثم ذكر تعالى على جهة تعديد النعمة والتنبيه على العبرة أمر العسل في قوله
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها
، وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل ، وورد عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال في تحقير الدنيا : أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة ، وأشرف شرابه رجيع نحلة ، فظاهر هذا أنه من غير الفم ، و « اختلاف الألوان » في العسل بحسب اختلاف النحل والمراعي وقد يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعي ، ومن هذا المعنى قول زينب للنبي صلى اللّه عليه وسلم : جرست نحله العرفط حين شبهت رائحته برائحة المغافير ، وقوله
فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
الضمير للعسل ، قاله الجمهور : ولا يقتضي العموم في كل علة وفي كل إنسان ، بل هو خبر عن أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في بعض دون بعض وعلى حال دون حال ، ففائدة الآية إخبار منبه منه في أنه دواء كما كثر الشفاء به وصار خليطا ومعينا للأدوية في الأشربة والمعاجين ، وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يشكو شيئا إلا تداوى بالعسل ، حتى إنه كان يدهن به الدمل والقرحة ويقرأ
فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ
. قال القاضي أبو محمد : وهذا يقتضي أنه يرى الشفاء به على العموم ، وقال مجاهد : الضمير