قال القاضي أبو محمد : والصواب أن يعم جميع من آتاه اللّه علم ذلك من جميع من حضر الموقف من ملك أو إنسي ، وغير ذلك ، وباقي الآية بين .
قوله عزّ وجل :
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 28 إلى 30 ]
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 29 ) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ( 30 )
الَّذِينَ
نعت للكافرين في قول أكثر المتأولين ، ويحتمل أن يكون
الَّذِينَ
مرتفعا بالابتداء منقطعا مما قبله ، وخبره في قوله
فَأَلْقَوُا السَّلَمَ
فزيدت الفاء في الخبر ، وقد يجيء مثل هذا ، و
الْمَلائِكَةُ
يريد القابضين لأرواحهم ، وقوله
ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
حال ، و
السَّلَمَ
هنا الاستسلام ، أي رموا بأيديهم وقالوا
ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
فحذف قالوا لدلالة الظاهر عليه ، قال الحسن : هي مواطن بمرة يقرون على أنفسهم كما قال
وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ
[ الأنعام : 13 ] ومرة يجحدون كهذه الآية ، ويحتمل قولهم :
ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
وجهين ، أحدهما أنهم كذبوا وقصدوا الكذب اعتصاما منهم به ، على نحو قولهم
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] ، والآخر أنهم أخبروا عن أنفسهم بذلك على ظنهم أنهم لم يكونوا يعملون سوءا ، فأخبروا عن ظنهم بأنفسهم ، وهو كذب في نفسه .
و
عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
وعيد وتهديد ، وظاهر الآية أنها عامة في جميع الكفار ، وإلقاؤهم السلم ضد مشافهتهم قبل ، وقال عكرمة : نزلت في قوم من أهل مكة آمنوا بقلوبهم ولم يهاجروا فأخرجهم كفار مكة مكرهين إلى بدر ، فقتلوا هنالك فنزلت فيهم هذه الآية .
قال القاضي أبو محمد : وإنما اشتبهت عليه بالآية الأخرى التي نزلت في أولئك باتفاق من العلماء ، وعلى هذا القول يحسن قطع
الَّذِينَ
ورفعه بالابتداء فتأمله والقانون أن
بَلى
تجيء بعد النفي ونعم تجيء بعد الإيجاب ، وقد تجيء بعد التقرير ، كقوله أليس كذا ونحوه ، ولا تجيء بعد نفي سوى التقرير ، وقرأ الجمهور « تتوفاهم » بالتاء فوق ، وقرأ حمزة « يتوفاهم » بالياء وهي قراءة الأعمش ، قال أبو زيد : أدغم أبو عمرو بن العلاء السلم « ما » ، وقوله
فَادْخُلُوا
من كلام الذي يقول
بَلى
، و
أَبْوابَ جَهَنَّمَ
مفضية إلى طبقاتها التي هي بعض على بعض ، و « الأبواب » كذلك باب على باب ، و
خالِدِينَ
حال ، واللام في قوله
فَلَبِئْسَ
لام التأكيد .
قال القاضي أبو محمد : وذكر سيبويه ، رحمه اللّه ، وهو إجماع النحويين قال : ما علمت أن لام التأكيد لا تدخل على الفعل الماضي وإنما تدخل عليه لام القسم لكن دخلت على « بئس » لما لم تتصرف أشبهت الأسماء وبعدت عن حال الفعل من جهة أنها لا تدخل على زمان ، و « المثوى » موضع الإقامة ، ونعم