تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
التجارات والسفر فيها وما يمنح اللّه فيها من الأرباح والمن ، وقال الطبري : المخر في اللغة صوت هبوب الريح ولم يقيد ذلك بكون في ماء ، وقال إن من ذلك قول واصل مولى ابن عيينة إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح أي لينظر في صوتها في الأجسام من أين تهب ، فيتجنب استقبالها لئلا ترد عليه بوله ، وقوله
وَلِتَبْتَغُوا
عطف على تأكلوا ، وهذا ذكر نعمة لها تفاصيل لا تحصى ، فيه إباحة ركوب البحر للتجارة وطلب الأرباح ، وهذه ثلاثة أسباب في تسخير البحر ، وقوله
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ
الآية ، قال المتأولون
أَلْقى
بمعنى خلق وجعل . قال القاضي أبو محمد : وهي عندي أخص من خلق وجعل ، وذلك أن
أَلْقى
تقتضي أن اللّه أحدث الجبال ليس من الأرض لكن من قدرته واختراعه ، ويؤيد هذا النظر ما روي في القصص عن الحسن عن قيس بن عباد ، أن اللّه تعالى لما خلق الأرض ، وجعلت تمور ، فقالت الملائكة ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا ، فأصبحت ضحى وفيها رواسيها . و « الرواسي » الثوابت ، رسا الشيء يرسو إذا ثبت ، ومنه قول الشاعر في صفة الوتد : وأشعث أرسته الوليدة بالفهد و
أَنْ
مفعول من أجله ، و « الميد » الاضطراب ، وقوله
أَنْهاراً
منصوب بفعل مضمر تقديره وجعل أو وخلق أنهارا . قال القاضي أبو محمد : وإجماعهم على إضمار هذا الفعل دليل على خصوص ل
أَلْقى
ولو كانت
أَلْقى
بمعنى خلق لم يحتج إلى هذا الإضمار ، و « السبل » الطرق ، وقوله
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
في مشيكم وتصرفكم في السبل ، ويحتمل
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
بالنظر في هذه المصنوعات على صانعها ، وهذا التأويل هو البارع ، أي سخر وألقى وجعل أنهارا وسبلا لعل البشر يعتبر ويرشد ولتكون علامات . قوله عزّ وجل :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 16 إلى 21 ]

وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ( 16 ) أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 17 ) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 18 ) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 19 ) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 20 ) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( 21 )
عَلاماتٍ
نصب على المصدر ، أي فعل هذه الأشياء لعلكم تعتبرون بها
وَعَلاماتٍ
أي عبرة وإعلاما في كل سلوك ، فقد يهتدى بالجبال والأنهار والسبل ، واختلف الناس في معنى قوله
وَعَلاماتٍ
على أن الأظهر عندي ما ذكرت ، فقال ابن الكلبي « العلامات » الجبال ، وقال إبراهيم النخعي ومجاهد : « العلامات » النجوم ، ومنها ما سمي علامات ومنها ما يهتدى به ، وقال ابن عباس : « العلامات » معالم الطرق بالنهار ، والنجوم هداية الليل .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 384 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى