تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
في ذكر
ما ذَرَأَ
[ النحل : 13 ] ليسارته بالإضافة ، وأيضا ف « آية » بمعنى « آيات » واحد يراد به الجمع . قوله عزّ وجل :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 13 إلى 15 ]

وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 13 ) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 14 ) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 15 )
ذَرَأَ
معناه بث ونشر ، والذرية من هذا في أحد الأقوال في اشتقاقها ، وقوله
أَلْوانُهُ
معناه أصنافه ، كما تقول هذه ألوان من التمر ومن الطعام ، ومن حيث كانت هذه المبثوثات في الأرض أصنافا فأعدت في النعمة وظهر الانتفاع بها أنه على وجوه ، ولا يظهر ذلك من حيث هي متلونة حمرة وصفرة وغير ذلك ، ويحتمل أن يكون التنبيه على اختلاف الألوان حمرة وصفرة والأول أبين . وقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ
الآية تعديد نعم ، وتسخير البحر هو تمكين البشر من التصرف فيه وتذليله للركوب والإرفاق وغيره ، و
الْبَحْرَ
الماء الكثير ملحا كان أو عذبا ، كله يسمى بحرا ، و
الْبَحْرَ
هنا اسم جنس ، وإذا كان كذلك فمنه أكل اللحم الطري ومنه « استخراج الحلية » ، و « أكل اللحم » يكون من ملحه وعذبه ، وإخراج الحلية إنما يكون فيما عرف من الملح فقط ، ومما عرف من ذلك اللؤلؤ والمرجان والصدف والصوف البحري ، وقد يوجد في العذب لؤلؤ لا يلبس إلا قليلا ، وإنما يتداوى به ، ويقال إن في الزمرد بحريا وقد خطئ الهذلي في وصف الدرة . [ الطويل ]
فجاء بها من درة لطمية * على وجهها ماء الفرات يدوم
فجعلها من الماء الحلو . قال القاضي أبو محمد : وتأمل أن قوله يخرج على أنه وصف بريقها ومائيتها فشبهه بماء الفرات ، ولم يذهب إلى الغرض الذي خطئ فيه ، و « اللحم الطري » ، و « الحلية » ما تقدم ، و
الْفُلْكَ
هنا جمع ، و
مَواخِرَ
جمع ماخرة ، والمخر في اللغة الصوت الذي يكون من هبوب الريح على شيء يشق أو يصعب في الجملة الماء فيترتب منه أن يكون من السفينة ونحوها وهو في هذه الآية من السفن ، ويقال للسحاب بنات مخر تشبيها ، إذ في جريها ذلك الصوت الذي هو عن الريح والماء الذي في السحاب ، وأمرها يشبه أمر البحر على أن الزجاج قد قال : بنات المخر سحاب بيض لا ماء فيها ، وقال بعض اللغويين المخر في كلام العرب الشق يقال : مخر الماء الأرض . قال القاضي أبو محمد : فهذا بين أن يقال فيه للفلك
مَواخِرَ
، وقال قوم
مَواخِرَ
معناه تجيء وتذهب بريح واحدة ، وهذه الأقوال ليست تفسير اللفظة ، وإنما أرادوا أنها مواخر بهذه الأحوال ، إذ هي موضع النعمة المعددة ، إذ نفس كون الفلك ماخرة لا نعمة فيه ، وإنما النعمة في مخرها بهذه الأحوال في