تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
ويروى وهلالها ، وقال بعض أصحاب المعاني ، لا يجوز هذا لأنه لا يقال للّه تعالى عمر ، وإنما يقال بقاء أزلي ذكره الزهراوي ، وكره إبراهيم النخعي أن يقول الرجل لعمري لأنه حلف بحياة نفسه ، وذلك من كلام ضعفة الرجال ، ونحو هذا ، قول مالك في « لعمري » و « لعمرك » أنها ليست بيمين ، وقال ابن حبيب ينبغي أن تصرف
لَعَمْرُكَ
في الكلام اقتداء بهذه الآية ، و
يَعْمَهُونَ
يرتبكون ويتحيرون ، والضمائر في
سَكْرَتِهِمْ
يراد بها قوم لوط المذكورون ، وذكر الطبري أن المراد قريش ، وهذا بعيد لأنه ينقطع مما قبله ومما بعده ، وقوله
لَفِي سَكْرَتِهِمْ
مجاز وتشبيه ، أي في ضلالتهم وغفلتهم وإعراضهم عن الحق ولهوهم ، و
يَعْمَهُونَ
معناه يترددون في حيرتهم ، و
مُشْرِقِينَ
معناه قد دخلوا في الإشراق وهو سطوع ضوء الشمس وظهوره قاله ابن زيد . قال القاضي أبو محمد : وهذه « الصيحة » هي صيحة الوجبة وليست كصيحة ثمود ، وأهلكوا بعد الفجر مصبحين واستوفاهم الهلاك مشرقين ، وخبر قوله
لَعَمْرُكَ
محذوف تقديره لعمرك قسمي أو يميني ، وفي هذا نظر ، وقرأ ابن عباس « وعمرك » ، وقرأ الأشهب العقيلي « لفي سكرتهم » بضم السين ، وقرأ ابن أبي عبلة « لفي سكراتهم » ، وقرأ الأعمش « لفي سكرهم » بغير تاء ، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي « أنهم في سكرتهم » بفتح الألف ، وروي في معنى قوله
فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها
أن جبريل عليه السلام اقتلع المدينة بجناحيه ورفعها حتى سمعت ملائكة السماء صراخ الديكة ونباح الكلاب ثم قلبها وأرسل الكل ، فمن سقط عليه شيء من جرم المدينة مات ، ومن أفلت منهم أصابته
حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ
، و
سِجِّيلٍ
اسم من الدنيا ، وقيل لفظة فارسية ، وهي الحجارة المطبوخة من الطين كالآجر ونحوه ، وقد تقدم القول في هذا ، و « المتوسمون » قال مجاهد المتفرسون ، وقال الضحاك الناظرون ، وقال قتادة المعتبرون ، وقيل غير هذا مما هو قريب منه ، وهذا كله تفسير بالمعنى ، وأما تفسير اللفظة فإن المعاني التي تكون في الإنسان وغيره من خير أو شر يلوح عليه وسم عن تلك المعاني ، كالسكون والدماثة واقتصاد الهيئة التي تكون عن الخير ونحو هذا ، فالمتوسم هو الذي ينظر في وسم المعنى فيستدل به على المعنى ، وكأن معصية هؤلاء أبقت من العذاب والإهلاك وسما ، فمن رأى الوسم استدل على المعصية به واقتاده النظر إلى تجنب المعاصي لئلا ينزل به ما نزل بهم ، ومن الشعر في هذه اللفظة قول الشاعر : [ الطويل ]
توسمته لما رأيت مهابة * عليه وقلت المرء من آل هاشم
وقال آخر : فظللت فيها واقفا أتوسم وقال آخر : إني توسمت فيك الخير نافلة والضمير في قوله
وَإِنَّها
يحتمل أن يعود على المدينة المهلكة ، أي أنها في طريق ظاهر بين للمعتبر ، وهذا تأويل مجاهد وقتادة وابن زيد ، ويحتمل أن يعود على الآيات ، ويحتمل أن يعود على الحجارة ، ويقوي هذا التأويل ما روي أن النبي عليه السلام قال : « إن حجارة العذاب معلقة بين السماء