تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
وما خليج من المروت ذو حدب * يرمي الصعيد بخشب الأيك والضال
والضمير في قوله
وَإِنَّهُما
يحتمل أن يعود على المدينتين اللتين تقدم ذكرهما : مدينة قوم لوط ، ومدينة أصحاب الأيكة ، ويحتمل أن يعود للنبيين : على لوط وشعيب ، أي أنهما على طريق من اللّه وشرع مبين . و « الإمام » في كلام العرب الشيء الذي يهتدى به ويؤتم ، يقولونه لخيط البناء ، وقد يكون الطريق ، وقد يكون الكتاب المفيد ، وقد يكون القياس الذي يعمل عليه الصناع ، وقد يكون الرجل المقتدى به ، ونحو هذا ، ومن رأى عود الضمير في
إِنَّهُما
على المدينتين قال « الإمام » الطريق ، وقيل على ذلك « الإمام » الكتاب الذي سبق فيه إهلاكهما ، و
أَصْحابُ الْحِجْرِ
هم ثمود ، وقد تقدم قصصهم ، و
الْحِجْرِ
مدينتهم ، وهي ما بين المدينة وتبوك ، وقال
الْمُرْسَلِينَ
من حيث يجب بتكذيب رسول واحد تكذيب الجميع ، إذ القول في المعتقدات واحد للرسل أجمع ، فهذه العبارة أشنع على المكذبين ، و « الآية » التي آتاهم اللّه هي الناقة وما اشتملت عليه من خرق العادة حسبما تقدم تفسيره وبسطه ، وقرأ أبو حيوة « وآتيناهم آيتنا » مفردة ، وقوله تعالى :
وَكانُوا يَنْحِتُونَ
الآية ، يصف قوم صالح بشدة النظر للدنيا والتكسب منها فذكر من ذلك مثالا أن بيوتهم كانوا ينحتونها في حجر الجبال ، و « النحت » النقر بالمعاول ونحوها في الحجارة والعود ونحوه ، وقرأ جمهور الناس « ينحتون » بكسر الحاء ، وقرأ الحسن « ينحتون » بفتحها ، وذلك لأجل حرف الحلق ، وهي قراءة أبي حيوة ، وقوله
آمِنِينَ
قيل معناه من انهدامها ، وقيل من حوادث الدنيا ، وقيل من الموت لاغترارهم بطول الأعمال . قال القاضي أبو محمد : وهذا كله ضعيف ، وأصح ما يظهر في ذلك أنهم كانوا يأمنون عواقب الآخرة . فكانوا لا يعملون بحسبها ، بل كانوا يعملون بحسب الأمن منها ، ومعنى
مُصْبِحِينَ
أي عند دخولهم في الصباح ، وذكر أن ذلك كان يوم سبت ، وقد تقدم قصص عذابهم وميعادهم وتغير ألوانهم ، ولم تغن عنهم شدة نظرهم للدنيا وتكسبهم شيئا ، ولا دفع عذاب اللّه ، و
ما
الأولى تحتمل النفي وتحتمل التقرير ، والثانية مصدرية ، وقوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
الآية ، المراد أن هؤلاء المكتسبين للدنيا الذين لم يغن عنهم اكتسابهم ليسوا في شيء ، فإن السماوات والأرض وجميع الأشياء لم تخلق عبثا ولا سدى ، ولا لتكون طاعة اللّه كما فعل هؤلاء ونظراؤهم ، وإنما خلقت بالحق ولواجب مراد وأغراض لها نهايات من عذاب أو تنعيم
وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ
على جميع أمور الدنيا ، أي فلا تهتم يا محمد بأعمال قومك فإن الجزاء لهم بالمرصاد ،
فَاصْفَحِ
عن أعمالهم ، أي ولّها صفحة عنقك بالإعراض عنها ، وأكد الصفح بنعت الجمال إذ المراد منه أن يكون لا عتب فيه ولا تعرض . وهذه الآية تقتضي مداهنة ، ونسخها في آية السيف قاله قتادة ، ثم تلاه في آخر الآية بأن اللّه تعالى يخلق من شاء لما شاء ويعلم تعالى وجه الحكمة في ذلك لا هذه الأوثان التي يعبدونها ، وقرأ جمهور الناس « الخلاق » ، وقرأ الأعمش والجحدري « الخالق » . قوله عزّ وجل :

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 87 إلى 93 ]

وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ( 89 ) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ( 90 ) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 ) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 )