تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
فجمع بين اللغتين في بيت ، وقرأ اليماني « فيسر بأهلك » ، وهذا الأمر بالسرى هو عن اللّه تعالى ، أي يقال لك ، و « القطع » الجزء من الليل ، وقرأت فرقة « بقطع » بفتح الطاء حكاه منذر بن سعيد . وقوله :
وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ
أي كن خلفهم وفي ساقتهم حتى لا يبقى منهم أحد ولا يتلوى ، و
حَيْثُ
في مشهورها ظرف مكان ، وقالت فرقة أمر لوط أن يسير إلى زغر ، وقيل : إلى موضع نجاة غير معروف عندنا ، وقالت فرقة :
حَيْثُ
قد تكون ظرف زمان ، وأنشد أبو علي في هذا بيت طرفة : [ المديد ]
للفتى عقل يعيش به * حيث تهدي ساقه قدمه
كأنه قال مدة مشيه وتنقله ، وهذه الآية من حيث أمر أن يسري
بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ
ثم قيل له « حيث تؤمر » . ونحن لا نجد في الآية أمرا له لا في قوله
بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ
أمكن أن تكون
حَيْثُ
ظرف زمان ، و
يَلْتَفِتْ
مأخوذ من الالتفات الذي هو نظر العين ، قال مجاهد : المعنى لا ينظر أحد وراءه . قال القاضي أبو محمد : ونهوا عن النظر مخافة العلقنة وتعلق النفس بمن خلف ، وقيل بل لئلا تتفطر قلوبهم من معاينة ما جرى على القرية في رفعها وطرحها . وقيل
يَلْتَفِتْ
معناه يتلوى من قولك لفت الأمر إذا لويته ، ومنه قولهم للعصيدة لفيتة لأنها تلوى ، بعضها على بعض . قوله عزّ وجل :

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 66 إلى 77 ]

وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ( 66 ) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ( 67 ) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ ( 68 ) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ ( 69 ) قالُوا أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ ( 70 ) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 71 ) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 72 ) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ( 73 ) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ( 74 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ( 75 ) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ( 76 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ( 77 ) المعنى
وَقَضَيْنا
ذلِكَ الْأَمْرَ
أي أمضيناه وختمنا به ، ثم أدخل في الكلام
إِلَيْهِ
من حيث أوحى ذلك إليه وأعلمه اللّه به فجلب هذا المعنى بإيجاز وحذف ما يدل الظاهر عليه و
أَنَّ
في موضع نصب ، قال الأخفش : هي بدل من
ذلِكَ
، وقال الفراء : بل التقدير « بأن دابر » فحذف حرف الجر ، والأول أصوب ، و « الدابر » الذي يأتي آخر القوم أي في أدبارهم ، وإذا قطع ذلك وأتى عليه فقد أتى العذاب من أولهم إلى آخرهم ، وهذه ألفاظ دالة على الاستئصال والهلاك التام ، يقال قطع اللّه دابره واستأصل شأفته وأسكت نأمته بمعنى . و
مُصْبِحِينَ
معناه إذا أصبحوا ودخلوا في الصباح ، وقوله
وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ
، يحتمل أن رجع الوصف أمر جرى قبل إعلام لوط بهلاك أمته ، ويدل على هذا أن محاجة لوط لقومه تقتضي ضعف من لم يعلم إهلاكهم ، وأن الأضياف ملائكة ، ويحتمل قوله
وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ
أن يكون بعد علمه بهلاكهم ، وكان قوله ما يأتي من المحاورة على جهة التهكم عنهم والإملاء لهم والتربص بهم .