تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
وقوله :
وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ
هو على حذف مضاف تقديره : وعند اللّه عقاب مكرهم أو جزاء مكرهم ، ويحتمل قوله تعالى :
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ
أن يكون خطابا لمحمد عليه السلام ، والضمير لمعاصريه ، ويحتمل أن يكون مما يقال للظلمة يوم القيامة والضمير للذين سكن في منازلهم . وقرأ السبعة سوى الكسائي : « وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال » بكسر اللام من
لِتَزُولَ
وفتح الأخيرة ، وهي قراءة علي بن أبي طالب وجماعة سكنوا وهذا على أن تكون « إن » نافية بمعنى ما ، ومعنى الآية : تحقير مكرهم وأنه ما كان لتزول منه الشرائع والنبوات وأقدار اللّه بها التي هي كالجبال في ثبوتها وقوتها ، هذا تأويل الحسن وجماعة من المفسرين ، وتحتمل عندي هذه القراءة أن تكون بمعنى تعظيم مكرهم ، أي وإن كان شديدا إنما يفعل لتذهب به عظام الأمور . وقرأ الكسائي : « وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال » بفتح اللام الأولى من
لِتَزُولَ
وضم الأخيرة ، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وابن وثاب ، وهذا على أن تكون « إن » مخففة من الثقيلة ، ومعنى الآية تعظيم مكرهم وشدته ، أي أنه مما يشقى به ويزيل الجبال عن مستقراتها لقوته ، ولكن اللّه تعالى أبطله ونصر أولياءه ، وهذا أشد في العبرة . وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبي بن كعب « وإن كاد مكرهم » ، ويترتب مع هذه القراءة في
لِتَزُولَ
ما تقدم . وذكر أبو حاتم أن في قراءة أبي بن كعب « ولولا كلمة اللّه لزال من مكرهم الجبال » . وحكى الطبري عن بعض المفسرين أنهم جعلوا هذه الآية إشارة إلى ما فعل نمرود إذ علق التابوت من الأنسر ، ورفع لها اللحم في أطراف الرماح بعد أن أجاعها ودخل هو وحاجبه في التابوت ، فعلت بهما الأنسر حتى قال له نمرود : ما ذا ترى ؟ قال : أرى بحرا وجزيرة - يريد الدنيا المعمورة - ثم قال : ما ذا ترى ؟ قال : أرى غماما ولا أرى جبلا ، فكأن الجبال زالت عن نظر العين بهذا المكر ، وذكر ذلك عن علي بن أبي طالب . وذلك عندي لا يصح عن علي رضي اللّه عنه ، وفي هذه القصة كلها ضعف من طريق المعنى ، وذلك أنه غير ممكن أن تصعد الأنسر كما وصف ، وبعيد أن يغرر أحد بنفسه في مثل هذا . وقوله :
فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ
الآية ، تثبيت للنبي عليه السلام ولغيره من أمته ، ولم يكن النبي عليه السلام ممن يحسب مثل هذا ، ولكن خرجت العبارة هكذا ، والمراد بما فيها من الزجر من شارك النبي عليه السلام في أن قصد تثبيته . وقرأ جمهور الناس « مخلف وعده » بالإضافة ، « رسله » بالنصب ، وإضافة « مخلف » إلى الوعد ، إذ للإخلاف تعلق بالوعد على تجوز ، وإنما حقيقة تعلقه بالرسل ، وهذا نحو قول الشاعر : [ الطويل ]
ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه * وسائره باد إلى الشمس أجمع
وكقولك : هذا معطي درهم زيدا . وقرأت فرقة : « مخلف وعده رسله » بنصب الوعد وخفض الرسل ، على الإضافة ، وهذه القراءة ذكرها الزجاج وضعفها ، وهي تحول بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول ، وهي كقول الشاعر : [ مجزوء الكامل ]
فزججتها بمزجّة * زج القلوص أبي مزادة