تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
تَوَكَّلْتُ
و « المتاب » : المرجع كالمآب ، لأن التوبة الرجوع . ويحتمل قوله :
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً
الآية ، أن يكون متعلقا بقوله :
وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ
فيكون معنى الآية الإخبار عنهم أنهم لا يؤمنون ولو نزل « قرآن تسير به الجبال وتقطع به الأرض » - هذا تأويل الفراء وفرقة من المتألين - وقالت فرقة : بل جواب
لَوْ
محذوف ، تقديره : ولو أن قرآنا يكون صفته كذا لما آمنوا بوجه ، وقال أهل هذا التأويل - ابن عباس ومجاهد وغيرهما - إن الكفار قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : أزح عنا وسير جبلي مكة فقد ضيقا علينا ، واجعل لنا أرضنا قطع غراسة وحرث ، وأحي لنا آباءنا وأجدادنا وفلانا وفلانا - فنزلت الآية في ذلك معلمة أنهم لا يؤمنون ولو كان ذلك كله ، وقالت فرقة : جواب
لَوْ
محذوف ، ولكن ليس في هذا المعنى ، بل تقديره : لكان هذا القرآن الذي يصنع هذا به ، وتتضمن الآية - على هذا - تعظيم القرآن ، وهذا قول حسن يحرز فصاحة الآية . وقوله :
بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً
يعضد التأويل الأخير ويترتب مع الآخرين . وقوله :
أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا
الآية ،
يَيْأَسِ
معناه : يعلم ، وهي لغة هوازن - قاله القاسم بن معن - وقال ابن الكلبي : هي لغة هبيل حي من النخع ، ومنه قول سحيم بن وثيل الرياحي : [ الطويل ]
أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني * ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يكون اليأس في هذه الآية على بابه ، وذلك أنه لما أبعد إيمانهم في قوله :
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً
الآية - على التأويلين في المحذوف المقدر - قال في هذه الآية : أفلم ييئس المؤمنون من إيمان هؤلاء الكفرة ، علما منهم
أَنْ لَوْ يَشاءُ
لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً
. وقرأ ابن كثير وابن محيصن « يأيس » وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وابن أبي مليكة وعكرمة والجحدري وعلي بن حسين وزيد بن علي وجعفر بن محمد « أفلم يتبين » . ثم أخبر تعالى عن كفار قريش والعرب أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من سرايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وغزواته . وفي قراءة ابن مسعود ومجاهد : « ولا يزال الذين ظلموا » ثم قال :
أَوْ تَحُلُّ
أنت يا محمد
قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ
هذا تأويل فرقة منهم الطبري وعزاه إلى ابن عباس ومجاهد وقتادة - وقال الحسن بن أبي الحسن : المعنى
أَوْ تَحُلُّ
القارعة
قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ
. وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير : « أو يحل » بالياء « قريبا من ديارهم » بالجمع . و « وعد اللّه » - على قول ابن عباس وقوم - فتح مكة ، وقال الحسن بن أبي الحسن : الآية عامة في الكفار إلى يوم القيامة ، وأن حال الكفرة هكذا هي أبدا . و « وعد اللّه » : قيام الساعة ، و « القارعة » : الرزية التي تقرع قلب صاحبها بفظاعتها كالقتل والأسر ونهب المال وكشف الحريم ونحوه . وقوله :
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ
الآية ، هذه آية تأنيس للنبي عليه السلام ، أي لا يضيق صدرك يا محمد
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 313 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى