وفي قراءة أبي بن كعب وعبد اللّه بن مسعود « إني أراني أعصر عنبا » .
قال القاضي أبو محمد : ويجوز أن يكون وصف الخمر بأنها معصورة ، إذ العصر لها ومن أجلها .
وقوله
خُبْزاً
يروى أنه رأى ثريدا فوق رأسه ، وفي مصحف ابن مسعود « فوق رأسي ثريدا تأكل الطير منه » .
وقوله
إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
قال الجمهور : يريدان في العلم ، وقال الضحاك وقتادة : المعنى :
مِنَ الْمُحْسِنِينَ
في جريه مع أهل السجن وإجماله معهم ، وقيل : إنه أراد إخباره أنهما يريان له إحسانا عليهما ويدا إذا تأول لهما ما رأياه ، ونحا إليه ابن إسحاق .
قوله عزّ وجل :
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 37 إلى 38 ]
قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 ) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 38 )
روي عن السدي وابن إسحاق : أن يوسف عليه السلام لما علم شدة تعبير منامه رأى الخبز وأنها تؤذن بقتله ، ذهب إلى غير ذلك من الحديث ، عسى ألا يطالباه بالتعبير ، فقال لهما - معلما بعظيم علمه للتعبير - : إنه لا يجيئكما طعام في نومكما ، تريان أنكما رزقتماه إلا أعلمتكما بتأويل ذلك الطعام ، أي بما يؤول إليه أمره في اليقظة ، قبل أن يظهر ذلك التأويل الذي أعلمكما به . فروي أنهما قالا : ومن أين لك ما تدعيه من العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم ؟ فقال لهما :
ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
ثم نهض ينحي لهما على الكفر ويحسن لهما الإيمان باللّه : فروي أنه قصد في ذلك وجهين : أحدهما : تنسيتهما أمر تعبير ما سألا عنه - إذ في ذلك النذارة بقتل أحدهما - والآخر : الطماعية في إيمانهما . ليأخذ المقتول بحظه من الإيمان وتسلم له آخرته . وقال ابن جريج : أراد يوسف عليه السلام :
لا يَأْتِيكُما طَعامٌ
في اليقظة
تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما
منه بعلم وبما يؤول إليه أمركما
قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما
ذلك المآل .
قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا إنما أعلمهم بأنه يعلم مغيبات لا تعلق لها برؤيا . وقصد بذلك أحد الوجهين المتقدمين . وهذا على ما روي من أنه نبئ في السجن ، فإخباره كإخبار عيسى عليه السلام ، وقال ابن جريج : كانت عادة ذلك الملك إذا أراد قتل أحد ممن في سجنه بعث إليه طعاما يجعله علامة لقتله .
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله لا يقتضيه اللفظ ولا ينهض به إسناد .
وقوله :
تَرَكْتُ
مع أنه لم يتشبث بها ، جائز صحيح ، وذلك أنه عن تجنبه من أول بالترك ،