تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
أحدهما أنه علا بها كل مرقبة من الحب ، وذهب بها كل مذهب ، فهو مأخوذ - على هذا - من شعف الجبال وهي رءوسها وأعاليها ، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن » . والوجه الآخر أن يكون الشعف لذة بحرقة يوجد من الجراحات والجرب ونحوها ومنه قول امرئ القيس : [ الطويل ]
أيقتلني وقد شعفت فؤادها * كما شعف المهنوءة الرجل الطالي
والمشعوف في اللغة الذي أحرق الحب قلبه ، ومنه قول الأعشى :
تعصي الوشاة وكان الحب آونة * مما يزين للمشعوف ما صنعا
وروي عن ثابت البناني وأبي رجاء أنهما قرءا : « قد شعفها » بكسر العين غير منقوطة . قال أبو حاتم : المعروف فتح العين وهذا قد قرئ به . وقرأ ابن محيصن :
قَدْ شَغَفَها
أدغم الدال في الشين . وروي أن مقالة هؤلاء النسوة إنما قصدن بها المكر بامرأة العزيز ليغضبنها حتى تعرض عليهن يوسف ليبين عذرها أو يحق لومها . وقد قال ابن زيد الشغف في الحب والشغف في البغض ، وقال الشعبي : الشغف والمشغوف بالغين منقوطة في الحب والشعف الجنون والمشعوف المجنون ، وهذان القولان ضعيفان . وقوله تعالى :
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ
الآية ، إنما سمي قولهن مكرا من حيث أظهرن إنكار منكر وقصدن إثارة غيظها عليهن ، وقيل : مكرهن انهن أفشين ذلك عنها وقد كانت اطلعتهن على ذلك واستكتمتهن إياه ، وهذا لا يكون مكرا إلا بأن يظهرن لها خلاف ذلك ويقصدن بالإفشاء أذاها . ومعنى
أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ
أي ليحضرن ، و
أَعْتَدَتْ
معناه : أعدت ويسرت ، و
مُتَّكَأً
ما يتكأ عليه من فرش ووسائد ، وعبر بذلك عن مجلس أعد لكرامة ، ومعلوم أن هذا النوع من الكرامات لا يخلو من الطعام والشراب ، فلذلك فسر مجاهد وعكرمة « المتكأ » بالطعام ؛ قال ابن عباس :
مُتَّكَأً
معناه مجلسا ، ذكره الزهراوي . وقال القتبي : يقال : اتكأنا عند فلان أي أكلنا . وقوله :
وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً
يقتضي أنه كان في جملة الطعام ما يقطع بالسكاكين ، فقيل كان لحما ، وكانوا لا ينتهسون اللحم وإنما كانوا يأكلونه حزا بالسكاكين ؛ وقيل : كان أترجا ، وقيل : كان زماورد ، وهو من نحو الأترج موجود في تلك البلاد ، وقيل : هو مصنوع من سكر ولوز وأخلاط . وقرأ ابن عباس ومجاهد والجحدري وابن عمر وقتادة والضحاك والكلبي وأبان بن تغلب « تكا » بضم الميم وتنوين الكاف . واختلف في معناه ، فقيل : هو الأترنج ، وقيل : هو اسم يعم ما يقطع بالسكين من الفواكه كالأترنج والتفاح وغيره ، وأنشد الطبري :
نشرب الإثم بالصواع جهارا * وترى المتك بيننا مستعارا