تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
قوله عزّ وجل :

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 26 إلى 29 ]

قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 26 ) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 27 ) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ( 28 ) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ( 29 ) قال نوف الشامي : كان يوسف عليه السلام لم يبن على كشف القصة ، فلما بغت به غضب فقال الحق ، فأخبره أنها هي راودته عن نفسه ، فروي أن الشاهد كان الرجل ابن عمها ، قال : انظر إلى القميص فإن كان قده من دبر فكذبت ، أو من قبل فصدقت ، قاله السدي . وقال ابن عباس : كان رجلا من خاصة الملك ، قاله مجاهد وغيره . وقيل : إن الشاهد كان طفلا في المهد فتكلم بهذا ، قاله أيضا ابن عباس وأبو هريرة وابن جبير وهلال بن يساف والضحاك . قال القاضي أبو محمد : ومما يضعف هذا أن في صحيح البخاري ومسلم : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى بن مريم ، وصاحب جريج ، وابن السوداء الذي تمنت له أن يكون كالفاجر الجبار ، فقال : لم يتكلم وأسقط صاحب يوسف منها ، ومنها أن الصبي لو تكلم لكان الدليل نفس كلامه دون أن يحتاج إلى الاستدلال بالقميص . وأسند الطبري إلى ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « تكلم في المهد أربعة » ، فذكر الثلاثة وزاد صاحب يوسف ، وذكر الطبري عن ابن عباس : أن ابن ماشطة فرعون تكلم في المهد ، فهم على هذا خمسة ، وقال مجاهد - أيضا - الشاهد القميص . قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لأنه لا يوصف بأنه من الأهل . وقرأ جمهور الناس : « من قبل » و « من دبر » بضم الباءين وبالتنوين ، وقرأ ابن يعمر والجارود بن أبي سبرة ونوح وابن أبي إسحاق « من قبل » و « من دبر » بثلاث ضمات من غير تنوين ، قال أبو الفتح : هما غايتان بنيتا ، كقوله تعالى :
مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
[ الروم : 4 ] قال أبو حاتم : وهذا رديء في العربية جدا ، وإنما يقع هذا البناء في الظروف ، وقرأ الحسن « من قبل » و « من دبر » بإسكان الباءين والتنوين ، ورويت عن أبي عمرو وروي عن نوح القاري أنه أسكن الباءين وضم الأواخر ولم ينون ورواها عن ابن أبي إسحاق عن يحيى بن يعمر . وسمي المتكلم بهذا الكلام
شاهِدٌ
من حيث دل على الشاهد ونفس الشاهد هو تخريق القميص . وقرأت فرقة : « فلما رأى قميصه عط من دبر » . والضمير في
رَأى
هو للعزيز ، وهو القائل :
إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ
، قاله الطبري وقيل : بل « الشاهد » قال ذلك ، والضمير في
إِنَّهُ
يريد مقالها المتقدم في الشكوى ب « يوسف » .