تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
ومن ذلك أيضا قول الشاعر : [ الرجز ]
قد رابني أن الكرى قد أسكتا * ولو غدا يعني بنا لهيتا
أسكت : دخل في سكوت ، و « هيت » معناه : قال : هيت ، كما قالوا : أفف إذا قال : أف أف ، ومنه سبح وكبر ودعدع إذ قال : داع داع . والتاء على هذه اللغات كلها مبنية فهي في حال الرفع كقبل وبعد ، وفي الكسر على الباب لالتقاء الساكنين ، وفي حال النصب ككيف ونحوها ؛ قال أبو عبيدة : و
هَيْتَ
لا تثنى ولا تجمع ، تقول العرب :
هَيْتَ لَكَ
، وهيت لكما ، وهيت لكم . وقرأ هشام ابن عامر « هيت » ، بكسر الهاء والهمز ، ضم التاء وهي قراءة علي بن أبي طالب ، وأبي وائل ، وأبي رجاء ويحيى ، ورويت عن أبي عمرو ، وهذا يحتمل أن يكون من هاء الرجل يهيئ إذا أحسن هيئته - على مثال جاء يجيء - ويحتمل أن يكون بمعنى تهيأت ، كما يقال : فئت وتفيأت بمعنى واحد ، قال اللّه عزّ وجل :
يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ
[ النحل : 48 ] وقال :
حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ
[ الحجرات : 9 ] . وقرأ ابن أبي إسحاق - أيضا - « هيت » بتسهيل الهمزة من هذه القراءة المتقدمة . وقرأ ابن عباس - أيضا - « هيت لك » . وقرأ الحلواني عن هشام « هئت » بكسر الهاء والهمز وفتح التاء قال أبو علي : ظاهر أن هذه القراءة وهم ، لأنه كان ينبغي أن تقول : هئت لي ، وسياق الآيات يخالف هذا . وحكى النحاس : أنه يقرأ « هيت » بكسر الهاء وسكون الياء وكسر التاء . و
مَعاذَ
نصب على المصدر ومعنى الكلام أعوذ باللّه . ثم قال :
إِنَّهُ رَبِّي
فيحتمل أن يعود الضمير في
إِنَّهُ
على اللّه عزّ وجل ، ويحتمل أن يريد العزيز سيده ، أي فلا يصلح لي أن أخونه وقد أكرم مثواي وائتمنني ، قال مجاهد ، والسدي
رَبِّي
معناه سيدي ، وقاله ابن إسحاق . قال القاضي أبو محمد : وإذا حفظ الآدمي لإحسانه فهو عمل زاك ، وأحرى أن يحفظ ربه . ويحتمل أن يكون الضمير للأمر والشأن ، ثم يبتدئ
رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ
. والضمير في قوله :
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ
مراد به الأمر والشأن فقط ، وحكى بعض المفسرين : أن يوسف عليه الصلاة والسلام - لما قال : معاذ اللّه ثم دافع الأمر باحتجاج وملاينة ، امتحنه اللّه تعالى بالهم بما هم به ، ولو قال لا حول ولا قوة إلا باللّه ، ودافع بعنف وتغيير - لم يهم بشيء من المكروه . وقرأ الجحدري « مثواي » وقرأها كذلك أبو طفيل وروي عن النبي عليه السّلام : « فمن تبع هداي » . وقوله :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ
الآية ، لا شك أن « هم » زليخا كان في أن يواقعها يوسف ، واختلف في « هم » يوسف عليه السلام ، فقال الطبري : قالت فرقة : كان مثل « همها » ، واختلفوا كيف يقع من مثل يوسف وهو نبي ؟ فقيل ذلك ليريه اللّه تعالى موقع العفو والكفاية ، وقيل الحكمة في ذلك أن يكون مثالا للمذنبين