تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
تقول اعشوشبت الأرض واحلولت الدنيا ونحو ذلك . وحكى الطبري عن ابن عباس على هذه القراءة أن هذه الآية نزلت في أن قوما كانوا لا يأتون النساء والحدث إلا ويتغشون ثيابهم كراهية أن يفضوا بفروجهم إلى السماء . وقرأ ابن عباس - فيما روى ابن عيينة - « تثنو » بتقديم الثاء على النون وبغير نون بعد الواو ، وقال أبو حاتم هذه القراءة غلط لا تتجه ، وقرأ نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق « ينثوي » بتقديم النون على الثاء ، وقرأ عروة وابن أبي أبزى والأعشى « تثنون » بثاء مثلثة بعدها نون مفتوحة بعدها واو مكسورة ، وقرأ أيضا هما ومجاهد فيما روي عنه « تثنان » بهمزة بدل الواو وهاتان مشتقة من الثن وهي العشب المثني بسهولة ، فشبه صدورهم به إذ هي مجيبة إلى هذا الانطواء على المكر والخدع : وأصل « تثنون » تثنونن سكنت النون المكسورة ونقلت حركتها إلى الواو التي قبلها وأدغمت في النون التي بعدها ، وأما « تثنان » فأصلها تثنان مثل تحمار ثم قالوا : اثنانت كما قالوا احمار وابياض ، والضمير في
مِنْهُ
عائد على اللّه تعالى ، هذا هو الأفصح الأجزل في المعنى وعلى بعض التأويلات يمكن أن يعود على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، و
يَسْتَغْشُونَ
معناه يجعلونها أغشية وأغطية ومنه قول الخنساء : [ البسيط ]
أرعى النجوم وما كلّفت رعيتها * وتارة أتغشّى فضل أطماري
وقرأ ابن عباس « على حين يستغشون » ومن هذا الاستعمال قول النابغة : [ الطويل ]
على حين عاتبت المشيب على الصبا * وقلت ألمّا أصح والشيب وازع
وذات
الصُّدُورِ
: ما فيها ، والذات تتصرف في الكلام على وجوه هذا أحدها كقول العرب الذيب مغبوط بذي بطنه أي بالذي فيه من النفخ وكقول أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه : إنما هو ذو بطن بنت خارجة ، والذات التي هي حقيقة الشيء ونفسه قلقة في هذا الموضع ؛ ويحتمل أن يفرق بين ذي بطنه وبين الذات وإنما يجمع بينهما المعنى . وقوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ . . .
الآية ، تماد في وصف اللّه تعالى بنحو قوله
يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
. و « الدابة » ما دب من الحيوان ، والمراد جميع الحيوان الذي يحتاج إلى رزق ويدخل في ذلك الطائر والهوام وغير ذلك كلها دواب ، وقد قال الأعشى : [ الطويل ]
نياف كغصن البان ترتج إن مشت * دبيب قطا البطحاء في كل منهل
وقال علقمة بن عبيدة لطيرهن دبيب وفي حديث أبي عبيدة : فإذا دابة مثل الظرب يريد من حيوان البحر ، وتخصيصه بقول
فِي الْأَرْضِ
إنما هو لأنه الأقرب لحسهم : والطائر والعائم إنما هو في الأرض ، وما مات من الحيوان قبل أن يتغذى فقد اغتذى في بطن أمه بوجه ما . وهذه الآية تعطي أن الرزق كل ما صح الانتفاع به خلافا للمعتزلة في قولهم إنه الحلال المتملك . وقوله تعالى :
عَلَى اللَّهِ
إيجاب لأنه تعالى لا يجب عليه شيء عقلا . و « المستقر » : صلب الأب : و « المستودع » بطن الأم ، وقيل « المستقر » : المأوى ، و « المستودع » القبر ، وهما على هذا الطرفان ، وقيل « المستقر » ، ما حصل موجودا من الحيوان ، والمستودع ما يوجد بعد .