أبدا ، وقالت فرقة : معناه من هؤلاء القوم من هو مؤمن بهذا الرسول إلا أنه يكتم إيمانه وعلمه بأن نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وإعجاز القرآن حق ، حفظا لرياسته أو خوفا من قومه ، كالفتية الذين خرجوا إلى بدر مع الكفار فقتلوا فنزل فيهم
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
[ النساء : 97 ] وكالعباس ونحو هذا ، ومنهم من ليس بمؤمن .
قال القاضي أبو محمد : وفائدة الآية على هذا التأويل التفرق لكلمة الكفار ، وإضعاف نفوسهم ، وأن يكون بعضهم على وجل من بعض ، وفي قوله
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ
، تهديد ووعيد ، وقوله
وَإِنْ كَذَّبُوكَ
، آية مناجزة لهم ومتاركة وفي ضمنها وعيد وتهديد ، وهذه الآية نحو قوله
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
[ الكافرون : 1 ] إلى آخر السورة ، وقال كثير من المفسرين منهم ابن زيد : هذه الآية منسوخة بالقتال لأن هذه مكية ، وهذا صحيح ، وقوله تعالى :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
، جمع
يَسْتَمِعُونَ
على معنى
مَنْ
لا على لفظها ، ومعنى الآية : ومن هؤلاء الكفار من يستمع إلى ما يأتي به من القرآن بإذنه ولكنه حين لا يؤمن ولا يحصل فكأنه لا يسمع ، ثم قال على وجه التسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم : أفأنت يا محمد تريد أن تسمع الصم . أي لا تكترث بذلك ، وقوله
وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ
معناه : ولو كانوا من أشد حالات الأصم ، لأن الأصم الذي لا يسمع شيئا بحال ، فذلك لا يكون في الأغلب إلا مع فساد العقل والدماغ فلا سبيل أن يعقل حجة ولا دليلا أبدا ،
وَلَوْ
هذه بمعنى « إن » ، وهذا توقيف للنبي صلى اللّه عليه وسلم أي ألزم نفسك هذا ، وقوله
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ
الآية ، هي نحو الأولى في المعنى ، وجاء
يَنْظُرُ
على لفظ
مَنْ
، وإذا جاء الفعل على لفظها فجائز أن يعطف عليه آخر على المعنى ، وإذا جاء أولا على معناها فلا يجوز أن يعطف آخر على اللفظ ، لأن الكلام يلبس حينئذ ، وهذه الآية نحو الأولى في المعنى كأنه قال :
ومنهم من ينظر إليك ببصره لكنه لا يعتبر ولا ينظر ببصيرته ، فهو لذلك كالأعمى فهون ذلك عليك ، أفتريد أن تهدي العمي ، والهداية أجمع إنما هي بيد اللّه عزّ وجل .
قوله عزّ وجل :
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 44 إلى 46 ]
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 45 ) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ ( 46 )
قرأت فرقة : « ولكن الناس » بتخفيف « لكن » ورفع « الناس » ، وقرأت فرقة « ولكنّ » بتشديد « لكنّ » ونصب « الناس » ، وظلم الناس لأنفسهم إنما هو بالتكسب منهم الذي يقارن اختراع اللّه تعالى لأفعالهم ، وعرف « لكن » إذا كان قبلها واو أن تثقل وإذا عريت من الواو أن تخفف ، وقد ينخرم هذا ، وقال الكوفيون :
قد يدخل اللام في خبر « لكن » المشددة على حد دخولها في « أن » ومنع ذلك البصريون ، وقوله تعالى :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ
الآية ، وعيد بالحشر وخزيهم فيه وتعاونهم في التلاوم بعضهم لبعض ، و
يَوْمَ
ظرف ونصبه يصح بفعل مضمر تقديره واذكر يوم ، ويصح أن ينتصب بالفعل الذي يتضمنه قوله
كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا