تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
ب
الْحُسْنى
مبالغة ، إذ هي عشرة ، وقال الطبري :
الْحُسْنى
عام في كل حسنى فهي تعم جميع ما قيل ، ووعد اللّه تعالى على جميعها بالزيادة ، ويؤيد ذلك أيضا قوله :
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ
، ولو كان معنى
الْحُسْنى
الجنة لكان في القول تكرير بالمعنى ، على أن هذا ينفصل عنه بأنه وصف المحسنين بأن لهم الجنة وأنهم لا يرهق وجوهم قتر ولا ذلة ، ثم قال
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ
على جهة المدح لهم ، أي أولئك مستحقوها وأصحابها حقا وباستيجاب ، و
يَرْهَقُ
معناه يغشى مع ذلة وتضييق ، والقتر الغبار المسود ، ومنه قول الشاعر [ الفرزدق ] : [ البسيط ]
متوج برداء الملك يتبعه * موج ترى وسطه الرايات والقترا
وقرأ الحسن وعيسى بن عمر والأعمش وأبو رجاء « قتر » بسكون التاء ، وقوله :
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ
الآية ، اختلف النحويون في رفع « الجزاء » بم هو ؟ فقالت فرقة : التقدير لهم جزاء سيئة بمثلها ، وقالت فرقة : التقدير جزاء سيئة مثلها والباء زائدة . قال القاضي أبو محمد : ويتوجه أن يكون رفع « الجزاء » على المبتدأ وخبره في
الَّذِينَ
لأن
الَّذِينَ
معطوف على قوله
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا
، فكأنه قال والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ، وعلى الوجه الآخر فقوله
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ
رفع بالابتداء ، وتعم
السَّيِّئاتِ
هاهنا الكفر والمعاصي ، فمثل سيئة الكفر التخليد في النار ، ومثل سيئة المعاصي مصروف إلى مشيئة اللّه تعالى . و « العاصم » المنجي ، ومنه قوله تعالى :
إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ
[ هود : 43 ] . و
أُغْشِيَتْ
كسيت ومنه الغشاوة ، و « القطع » جمع قطعة ، وقرأ ابن كثير والكسائي « قطعا » من الليل بسكون الطاء ، وقرأ الباقون بفتح الطاء ، و « القطع » الجزء من الليل ومنه قوله تعالى :
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ *
[ هود : 81 ] وهذا يراد به الجزء من زمان الليل ، وفي هذه الآية الجزء من سواده ، و
مُظْلِماً
، نعت ل « قطع » ، ويجوز أن يكون حالا من الذكر الذي في قوله
مِنَ اللَّيْلِ
، فإذا كان نعتا فكان حقه أن يكون قبل الجملة ولكن قد يجيء بعدها ، وتقدير الجملة قطعا استقر من الليل مظلما على نحو قوله تعالى :
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ *
[ الأنعام : 155 ] ومن قرأ « قطعا » على جمع قطعة فنصب « مظلما » على الحال
مِنَ اللَّيْلِ
والعامل في الحال
مِنَ
إذ هي العامل في ذي الحال ، وقرأ أبي بن كعب ، « كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل وظلم » ، وقرأ ابن أبي عبلة « قطع من الليل مظلم » بتحريك الطاء في قطع . قوله عزّ وجل :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 28 إلى 30 ]

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ ( 28 ) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ ( 29 ) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 30 ) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم والحسن وشيبة وغيرهم ، « نحشرهم » بالنون ، وقرأت فرقة :
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 116 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى