الراء أن يكون على الحال ، وأما كسر الراء فعلى الصفة للمؤمنين ، وروي من غير طريق أن الآية نزلت
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُجاهِدُونَ
فجاء ابن أم مكتوم حين سمعها ، فقال : يا رسول اللّه هل من رخصة ؟ فإني ضرير البصر فنزلت عند ذلك
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
قال الفلتان بن عاصم كنا قعودا عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فأنزل عليه ، وكان إذا أوحي إليه دام بصره مفتوحة عيناه وفرغ سمعه وبصره لما يأتيه من اللّه ، وكنا نعرف ذلك في وجهه ، فلما فرغ قال للكاتب : اكتب
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُجاهِدُونَ
إلى آخر الآية . قال : فقام الأعمى ، فقال : يا رسول اللّه ما ذنبنا ؟ قال : فأنزل اللّه على رسوله ، فقلنا للأعمى : إنه ينزل عليه . قال : فخاف أن ينزل فيه شيء فبقي قائما مكانه يقول : أتوب إلى رسول اللّه حتى فرغ رسول اللّه ، فقال الكاتب : اكتب
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
وأولو الضرر هم أهل الأعذار إذ قد أضرت بهم حتى منعتهم الجهاد . قاله ابن عباس وغيره . وقوله تعالى :
بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
هي الغاية في كمال الجهاد . ولما كان أهل الديوان متملكين بذلك العطاء يصرفون في الشدائد وتروعهم البعوث والأوامر . قال بعض العلماء : هم أعظم أجرا من المتطوع لسكون جأشه ونعمة باله في الصوائف الكبار ونحوها . واحتج بهذه الآية المظهرة لفضل المال من قال : إن الغنى أفضل من الفقر وإن متعلقه بها لبين .
وفسر الناس الآية على أن تكملة التفضيل فيها ب « الدرجة » ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وتأكيد وبيان ، وقال ابن جريج الفضل بدرجة هو على القاعدين من أهل العذر .
قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : لأنهم مع المؤمنين بنياتهم كما قال النبي عليه السلام في غزوة تبوك « إن بالمدينة رجالا ما قطعنا واديا ولا سلكنا جبلا ولا طريقا إلا وهم معنا حبسهم العذر » قال ابن جريج . والتفضيل « بالأجر العظيم والدرجات » هو على القاعدين من غير أهل العذر ، و
الْحُسْنى
الجنة ، وهي التي وعدها المؤمنون ، وكذلك قال السدي وغيره .
وقال ابن محيريز : « الدرجات » هي درجات في الجنة ، سبعون ، ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة ، وقال بهذا القول الطبري ورجحه ، وقال ابن زيد : « الدرجات » في الآية هي السبع المذكورات في سورة براءة ، فهي قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
[ التوبة : 120 ] الآيات فذكر فيها الموطئ الغائظ للكفار ، والنيل من العدو ، والنفقة الصغيرة والكبيرة ، وقطع الأودية والمسافات .
قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : ودرجات الجهاد لو حصرت أكثر من هذه ، لكن يجمعها بذل النفس والاعتمال بالبدن والمال في أن تكون كلمة اللّه هي العليا ، ولا شك أن بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها تكون مراتب الجنة ودرجاتها ، فالأقوال كلها متقاربة ، وباقي الآية وعد كريم وتأنيس . ونصب
دَرَجاتٍ
إما على البدل من الأجر ، وإما على إضمار فعل على أن تكون تأكيدا للأجر ، كما تقول : لك عليّ ألف درهم عرفا ، كأنك قلت أعرفها عرفا .
قوله تعالى :