تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
للعموم ، والجهة الأخرى أن لفظ هذه الآية ليس بلفظ عموم ، بل لفظ مشترك يقع كثيرا للخصوص ، كقوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
[ المائدة : 44 ] وليس حكام المؤمنين إذا حكموا بغير الحق في أمر بكفرة بوجه ، وكقول الشاعر [ زهير بن أبي سلمى ] : [ الطويل ]
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه * يهدّم ومن لا يظلم النّاس يظلم
وهذا إنما معناه الخصوص ، لأنه ليس كل من لا يظلم يظلم ، فهذه جهة أخرى تدل على أن العموم غير مترتب ، وما احتجوا به من قول زيد بن ثابت فليس كما ذكروه ، وإنما أراد زيد أن هذه الآية نزلت بعد سورة الفرقان ، ومراده باللينة قوله تعالى :
وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
[ الفرقان : 68 ] ، وإن كان المهدوي قد حكى عنه أنه قال : أنزلت الآية
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً
بعد قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ *
[ النساء : 48 - 116 ] بأربعة أشهر فإذا دخله التخصيص ، فالوجه أن هذه الآية مخصوصة في الكافر يقتل المؤمن ، أما على ما روي أنها نزلت في شأن مقيس بن حبابة ، حين قتل أخاه هشام بن حبابة رجل من الأنصار ، فأخذ له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الدية ، ثم بعثه مع رجل من فهر بعد ذلك في أمر ما ، فعدا عليه مقيس فقتله ورجع إلى مكة مرتدا ، وجعل ينشد : [ الطويل ]
قتلت به فهرا وحمّلت عقله * سراة بني النّجّار أرباب فارع
حللت به وترى وأدركت ثورتي * وكنت إلى الأوثان أوّل راجع
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا أؤمنه في حل ولا في حرم » ، وأمر بقتله يوم فتح مكة ، وهو متعلق بالكعبة ، وأما أن يكون على ما حكي عن ابن عباس أنه قال
مُتَعَمِّداً
معناه مستحلا لقتله . فهذا يؤول أيضا إلى الكفر ، وفي المؤمن الذي قد سبق في علم اللّه أنه يعذبه بمعصيته على ما قدمنا من تأويل ، فجزاؤه أن جازاه ، ويكون قوله
خالِداً
إذا كانت في المؤمن بمعنى باق مدة طويلة على نحو دعائهم للملوك بالتخليد ونحو ذلك ، ويدل على هذا سقوط قوله « أبدا » فإن التأبيد لا يقترن بالخلود إلا في ذكر الكفار . واختلف العلماء في قبول توبة القاتل ، فجماعة على أن لا تقبل توبته ، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر ، وكان ابن عباس يقول : الشرك والقتل مبهمان ، من مات عليهما خلد ، وكان يقول : هذه الآية مدنية نسخت الآية التي في الفرقان ، إذ الفرقان مكية والجمهور على قبول توبته ، وروي عن بعض العلماء أنهم كانوا يقصدون الإغلاظ والتخويف أحيانا ، فيطلقون : لا تقبل توبة القاتل ، منهم ابن شهاب كان إذا سأله من يفهم منه أنه قد قتل قال له : توبتك مقبولة ، وإذا سأله من لم يفعل ، قال له : لا توبة للقاتل ، ومنهم ابن عباس وقع عنه في تفسير عبد بن حميد أن رجلا سأله أللقاتل توبة ؟ فقال له : لا توبة للقاتل وجزاؤه جهنم ، فلما مضى السائل قال له أصحابه : ما هكذا كنا نعرفك تقول إلا أن للقاتل التوبة ، فقال لهم : إني رأيته مغضبا وأظنه يريد أن يقتل ، فقاموا فطلبوه وسألوا عنه ، فإذا هو كذلك . وذكر هبة اللّه في كتاب الناسخ والمنسوخ له : أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ *
[ النساء : 48 - 116 ] وقال : هذا إجماع الناس إلا ابن عباس وابن عمر ، فإنهما قالا : هي محكمة .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 95 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى