تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 84 إلى 86 ]

فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً ( 84 ) مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ( 85 ) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ( 86 ) هذا أمر في ظاهر اللفظ للنبي عليه السلام وحده ، لكن لم نجد قط في خبر أن القتال فرض على النبي صلى اللّه عليه وسلم دون الأمة مدة ما ، المعنى - واللّه أعلم - أنه خطاب للنبي عليه السلام في اللفظ ، وهو مثال ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه ، أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ
ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يستشعر أن يجاهد ولو وحده ، ومن ذلك قول النبي عليه السلام « واللّه لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي » وقول أبي بكر وقت الردة : « ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي » ، وخلط قوم في تعلق الفاء من قوله
فَقاتِلْ
بما فيه بعد ، والوجه أنها عاطفة جملة كلام على جملة ، وهي دالة على اطراح غير ما أمر به ، ثم خص النبي عليه السلام بالأمر بالتحريض ، أي الحث على المؤمنين في القيام بالفرض الواجب عليهم ، و
عَسَى
إذا وردت من اللّه تعالى فقال عكرمة وغيره : إنها واجبة ، لأنها من البشر متوقعة مرجوة ففضل اللّه تعالى يوجب وجوبها ، وفي هذا وعد للمؤمنين بغلبتهم للكفرة ، ثم قوى بعد ذلك ، قلوبهم بأن عرفهم شدة بأس اللّه ، وأنه أقدر على الكفرة ،
وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا
لهم ، التنكيل : الأخذ بأنواع العذاب وترديده عليهم . وقوله تعالى :
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً
الآية . أصل الشفاعة والشفعة ونحوها من الشفع ، وهو الزوج في العدد ، لأن الشافع ثان لوتر المذنب ، والشفيع ثان لوتر المشتري ، واختلف في هذه الآية المتأولون ، فقال الطبري : المعنى من يشفع وتر الإسلام بالمعونة للمسلمين ، أو من يشفع وتر الكفر بالمعونة على الإسلام ، ودله على هذا التأويل ما تقدم من أمر القتال ، وقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم : هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم ، فمن يشفع لينفع فله نصيب ، ومن يشفع ليضر فله كفل ، وقال الحسن وغيره : « الشفاعة الحسنة » هي في البر والطاعة ، والسيئة هي في المعاصي ، وهذا كله قريب بعضه من بعض ، « والكفل » النصيب ، ويستعمل في النصيب من الخير ومن الشر ، وفي كتاب اللّه تعالى
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ
[ الحديد : 28 ] و
مُقِيتاً
معناه قديرا ، ومنه قول الشاعر ، وهو الزبير بن عبد المطلب : [ الوافر ]
وذي ضغن كففت النّفس عنه * وكنت على إذايته مقيتا
أي قديرا ، وعبر عنه ابن عباس ومجاهد ، بحفيظ وشهيد ، وعبد اللّه بن كثير ، بأنه الواصب القيم بالأمور ، وهذا كله يتقارب ، ومنه قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقيت » على من رواها هكذا أي من هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره ، وذهب مقاتل بن حيان ، إلى أنه الذي يقوت كل حيوان ، وهذا على أن يقال أقات بمعنى قات ، وعلى هذا يجيء قوله عليه السلام « من يقيت » من أقات وقد حكى الكسائي « أقات » يقيت ، فأما قول الشاعر [ السموأل بن عادياء ] : [ الخفيف ]