تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
ذلك مستثنى من قوله :
لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا
، على سرد الكلام دون تقدير تقديم ، ثم اختلفت هذه الفرقة ، فقال الضحاك : إن اللّه هدى الكل منهم إلى الإيمان ، فكان منهم من تمكن فيه حتى لم يخطر له قط خاطر شك ، ولا عنت له شبهة ارتياب ، فذلك هو القليل ، وسائر من أسلم من العرب لم يخل من الخواطر ، فلو لا فضل اللّه بتجديد الهداية لهم لضلوا واتبعوا الشيطان إلا قبضة من شعير وقبضة من قرظ ، وإذا أفيقان معلقان ، فبكيت ، فقال رسول اللّه عليه السلام : ما يبكيك يا بن الخطاب ؟ فقلت يا رسول اللّه : أنت صفوة اللّه من خلقه ورسوله ، وليس لك من الدنيا إلا هذا ، وكسرى وقيصر في الأشجار والأنهار ، فقال أهاهنا أنت يا عمر ؟ أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ فقلت : بلى ، ثم جعلت أحدثه حتى تهلل وابتسم ، فقلت يا رسول اللّه : إنهم ادعوا أنك طلقت نساءك ، فقال : لا ، فقلت أتأذن لي أن أعرف الناس ؟ قال : افعل إن شئت ، قال : فقمت على باب المسجد ، فقلت : ألا إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يطلق نساءه ، فأنزل اللّه في هذه القصة
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ
الآية وأنا الذي استنبطته . وقوله تعالى :
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ
الآية ، المعنى : لو أمسكوا عن الخوض واستقصوا الأمور من قبل الرسول . أو
أُولِي الْأَمْرِ
وهم الأمراء ، قاله السدي وابن زيد ، وقيل : أهل العلم ، قاله الحسن وقتادة وغيرهما ، والمعنى يقتضيهما معا
لَعَلِمَهُ
طلابه من
أُولِي الْأَمْرِ
والبحثة عنه وهم مستنبطوه ، كما يستنبط الماء وهو النبط أي الماء المستخرج من الأرض . ومنه قول الشاعر :
قريب ثراه ما ينال عدوّه * له نبطا آبى الهوان قطوب
يعني بالنبط الماء المستنبط . وقوله تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا
. هذا خطاب للمؤمنين باتفاق من المتأولين . والمعنى : لولا هداية اللّه لكم وإرشاده لبقيتم على كفركم ، وهو اتباع الشيطان . وقال الضحاك : هدى الكل منهم للإيمان فمنهم من تمكن فيه حتى لم يخطر له قط خاطر شك ولا عنت له شبهة ارتياب ، وذلك هو القليل ؛ وسائر من أسلم من العرب لم يخل من الخواطر ، فلو لا فضل اللّه بتجريد الهداية لهم لضلّوا واتبعوا الشيطان . قال القاضي أبو محمد : هذا معنى قول الضحاك ، ويجيء الفضل معينا ، أي رسالة محمد والقرآن ، لأن الكل إنما هدي بفضل اللّه على الإطلاق ، وقال قوم : المخاطب بقوله
لَاتَّبَعْتُمُ
جميع المؤمنين ، وقوله :
إِلَّا قَلِيلًا
إشارة إلى من كان قبل الإسلام غير متبع للشيطان على ملة إبراهيم ، كورقة بن نوفل ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وغيرهما ، وقال قوم : الاستثناء إنما هو من الاتباع ، أي
لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ
كلكم
إِلَّا قَلِيلًا
من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها ، وقال قوم : قوله :
إِلَّا قَلِيلًا
عبارة عن العدم ، يريدون لاتبعتم الشيطان كلكم ، وهذا الأخير قول قلق ، وليس يشبه ما حكى سيبويه من قولهم : أرض قل ما تنبت كذا ، بمعنى لا تنبته لأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي حصولها ، ولكن قد ذكره الطبري . قوله تعالى :