فَاتَّقُوا اللَّهَ
معناها في الكلام ، اجعل بينك وبين المحذور وقاية ، وقوله
وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ
تصريح بأنه شجر بينهم اختلاف ومالت النفوس إلى التشاح ، و
ذاتَ
في هذا الموضع يراد بها نفس الشيء وحقيقته ، والذي يفهم من
بَيْنِكُمْ
هو معنى يعم جميع الوصل والالتحامات والمودات وذات ذلك هي المأمور بإصلاحها أي نفسه وعينه ، فحض اللّه عزّ وجل على إصلاح تلك الأجزاء فإذا صلحت تلك حصل إصلاح ما يعمها وهو البين الذي لهم ، وقد تستعمل لفظة الذات على أنها لزيمة ما تضاف إليه وإن لم تكن عينه ونفسه ، وذلك في قوله :
عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
[ الأنفال : 43 ] و
ذاتِ الشَّوْكَةِ
[ الأنفال : 7 ] فإنها هاهنا مؤنثة قولهم : الذئب مغبوط بذي بطنه ، وقول أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه إنما هو ذو بطن بنت خارجة ، ويحتمل ذات البين أن تكون هذه ، وقد تقال الذات أيضا بمعنى آخر وإن كان يقرب من هذا ، وهو قولهم فعلت كذا ذات يوم ، ومنه قول الشاعر : [ البسيط ] .
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة * ذات العشاء ولا تسري أفاعيها
وذكر الطبري عن بعضهم أنه قال :
ذاتَ بَيْنِكُمْ
الحال التي لبينكم كما ذات العشاء الساعة التي فيها العشاء .
قال القاضي أبو محمد : ورجحه الطبري وهو قول بين الانتقاض ، وقال الزجاج البين هاهنا الوصل ، ومثله قوله عزّ وجل :
لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
[ الأنعام : 94 ] .
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا كله نظر ، وقوله
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
لفظ عام وسببه الأمر بالوقوف عندما ينفذه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الغنائم ، وقوله :
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
أي كاملي الإيمان كما تقول لرجل إن كنت رجلا فافعل كذا أي إن كنت كامل الرجولة وجواب الشرط في قوله المتقدم
وَأَطِيعُوا
هذا عند سيبويه ، ومذهب أبي العباس أن الجواب محذوف متأخر يدل عليه المتقدم تقديره إن كنتم مؤمنين أطيعوا ، ومذهبه في هذا أن لا يتقدم الجواب الشرط .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 2 إلى 4 ]
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 2 ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 4 )
إِنَّمَا
لفظ لا تفارقه المبالغة والتأكيد حيث وقع ، ويصلح مع ذلك للحصر ، فإذا دخل في قصة وساعد معناها على الانحصار صح ذلك وترتب كقوله
أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ *
[ الأنبياء : 108 ، فصلت : 6 ] وغير ذلك من الأمثلة ، وإذا كانت القصة لا تتأتى للانحصار بقيت « إنما » للمبالغة والتأكيد فقط ، كقوله عليه السلام « إنما الربا في النسيئة » ، وكقوله « إنما الشجاع عنترة » ، وأما من قال « إنما » ، هي لبيان الموصوف فهي عبارة فاترة إذ بيان الموصوف يكون في مجرد الإخبار دون « إنما » ، وقوله هاهنا
إِنَّمَا