تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 176 إلى 180 ]

وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 176 ) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ( 177 ) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 178 ) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 ) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 180 ) يقول اللّه عزّ وجل :
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ
قالت فرقة معناه لأخذناه كما تقول رفع الظالم إذا هلك ، والضمير في :
بِها
عائد على المعصية في الانسلاخ وابتدأ وصف حاله بقوله تعالى :
وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
فهي عبارة عن إمهاله وإملاء اللّه له ، وقال ابن أبي نجيح
لَرَفَعْناهُ
معناه لتوفيناه قبل أن يقع في المعصية ورفعناه عنها ، والضمير على هذا عائد على الآيات ، ثم ابتدأ وصف حاله ، وقال ابن عباس وجماعة معه معنى
لَرَفَعْناهُ
أي لشرفنا ذكره ورفعنا منزلته لدينا بهذه الآيات التي آتيناه ،
وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
فالكلام متصل ، ذكر فيه السبب الذي من أجله لم يرفع ولم يشرف كما فعل بغيره ، فمن أوتي هذا ، و
أَخْلَدَ
معناه لازم وتقاعس وثبت ، والمخلد الذي يثبت شبابه فلا يغشاه الشيب ومنه الخلد ، ومنه قول زهير : [ الكامل ] .
لمن الديار غشيتها بالفدفد * كالوحي في حجر المسيل المخلد
وقوله :
إِلَى الْأَرْضِ
يحتمل أن يرد إلى شهواتنا ولذاتها وما فيها من الملاذ ، قاله السدي وغيره ، ويحتمل أن يريد بها العبارة عن الأسفل والأخس كما يقال فلان في الحضيض ، ويتأيد ذلك من جهة المعنى المعقول وذلك أن الأرض وما ارتكز فيها هي الدنيا وكل ما عليها فان ، من أخلد إليه فقد حرم حظ الآخرة الباقية ، وقوله :
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
قال السدي وغيره : إن هذا الرجل عوقب في الدنيا بأنه يلهث كما يلهث الكلب فشبه به صورة وهيئة ، وقال الجمهور إنما شبه به في أنه كان ضالا قبل أن يؤتى الآيات ثم أوتيها فكان أيضا ضالا لم تنفعه ، فهو كالكلب في أنه لا يفارق اللهث في حال حمل المشقة عليه وتركه دون حمل عليه ، وتحرير المعنى فالشيء الذي تتصوره النفوس من حاله هو كالذي تتصور من حال الكلب ، وبهذا التقدير يحسن دخول الكاف على « مثل » ، واللهث تنفس بسرعة وتحرك أعضاء الفم معه وامتداد اللسان ، وأكثر ما يعتري ذلك مع الحر والتعب ، وهو في الفرس ضبح ، وخلقة الكلب أنه يلهث على كل حال ، وذكر الطبري أن معنى
إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ
أي تطرده وحكاه عن مجاهد وابن عباس . قال القاضي أبو محمد : وذلك داخل في جملة المشقة التي ذكرنا ، وقوله :
ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ
أي هذا المثل يا محمد مثل هؤلاء القوم الذين كانوا ضالين قبل أن تأتيهم بالهدى والرسالة ثم جئتهم بذلك فبقوا على ضلالتهم ولم ينتفعوا بذلك . فمثلهم كمثل الكلب ، وقوله :
فَاقْصُصِ الْقَصَصَ
أي اسرد ما يعلمون أنه من الغيوب التي لا يعلمها إلا أهل الكتب الماضية ولست منهم
لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
في ذلك فيؤمنون . وقوله :
ساءَ مَثَلًا
قال الزجاج : التقدير ساء مثلا مثل القوم ، لأن الذي بعد « بئس » و « نعم » إنما