تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
قال القاضي أبو محمد : ولفظة المعاقدة والأيمان ترجح أن المراد الأحلاف لأن ما ذكر من غير الأحلاف ليس في جميعه معاقدة ولا أيمان ، و
شَهِيداً
معناه : أن اللّه شهيد بينكم على المعاقدة والصلة ، فأوفوا بالعهد بحسب ذلك مراقبة ورهبة . وقوله تعالى :
الرِّجالُ قَوَّامُونَ
الآية ، قوام فعال : بناء مبالغة ، وهو من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد ، فقيام الرجل على النساء هو على هذا الحد ، وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة يقتضي أن للرجال عليهن استيلاء وملكا ما ، قال ابن عباس : الرجال أمراء على النساء ، وعلى هذا قال أهل التأويل و « ما » في قوله :
بِما فَضَّلَ اللَّهُ
مصدرية ، ولذلك استغنت عن العائد ، وكذلك
بِما أَنْفَقُوا
والفضيلة : هي الغزو وكمال الدين والعقل وما أشبهه ، والإنفاق : هو المهر والنفقة المستمرة على الزوجات ، وقيل : سبب هذه الآية أن سعد بن الربيع لطم زوجه حبيبة بنت زيد بن أبي زهير ، فجاءت مع أبيها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأمر أن تلطمه كما لطمها ، فنزلت الآية مبيحة للرجال تأديب نسائهم ، فدعاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونقض الحكم الأول وقال : أردت شيئا وما أراد اللّه خير ، وفي طريق آخر أردت شيئا وأراد اللّه غيره ، وقيل : إن في هذا الحكم المردود نزلت
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
[ طه : 114 ] وقيل سببها قول أم سلمة المتقدم ، أي : لما تمنى النساء درجة الرجال عرفن وجه الفضيلة . والصلاح في قوله
فَالصَّالِحاتُ
هو الصلاح في الدين ، و « والقانتات » معناه : مطيعات ، والقنوت الطاعة ، ومعناه لأزواجهن ، أو للّه في أزواجهن ، وغير ذلك ، وقال الزجّاج : إنها الصلاة ، وهذا هنا بعيد و
لِلْغَيْبِ
معناه : كل ما غاب عن علم زوجها مما استرعته ، وذلك يعم حال غيب الزوج وحال حضوره ، وروى أبو هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك ، وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها » ، ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية ، وفي مصحف ابن مسعود « فالصوالح قوانت حوافظ » وهذا بناء يختص بالمؤنث ، وقال ابن جني : والتكسير أشبه لفظا بالمعنى ، إذ هو يعطي الكثرة وهي المقصود هنا ، و
بِما حَفِظَ اللَّهُ
الجمهور على رفع اسم اللّه بإسناد الفعل إليه ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع « اللّه » بالنصب على إعمال
حَفِظَ
فأما قراءة الرفع « فما » مصدرية تقديره : يحفظ اللّه ، ويصح أن تكون بمعنى « الذي » ويكون العائد الذي في
حَفِظَ
ضمير نصب ويكون المعنى أما حفظ اللّه ورعايته التي لا يتم أمر دونها ، وأما أوامره ونواهيه للنساء ، فكأنها حفظه ، فمعناه : أن النساء يحفظن بإرادته وبقدره ، وأما قراءة ابن القعقاع بما حفظ اللّه ، فالأولى أن تكون « ما » بمعنى « الذي » وفي
حَفِظَ
ضمير مرفوع ، والمعنى حافظات للغيب بطاعة وخوف وبر ودين حفظ اللّه في أوامره حين امتثلنها ، وقيل : يصح أن تكون « ما » مصدرية ، على أن تقدير الكلام بما حفظن اللّه وينحذف الضمير ، وفي حذفه قبح لا يجوز إلا في الشعر ، كما قال [ الأعشى ] : [ المتقارب ] فإنّ الحوادث أودى بها يريد أو دين ، والمعنى : يحفظن اللّه في أمره حين امتثلنه ، وقال ابن جني : الكلام على حذف مضاف تقديره : بما حفظ دين اللّه وأمر اللّه ، وفي مصحف ابن مسعود « بما حفظ اللّه فأصلحوا إليهن » .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 47 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى