تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
قال القاضي أبو محمد : ثم بعد هذا المقصد تخرج الآية في مخرج التفضل ، لأنها تتناول كل ما خفف اللّه تعالى عن عباده ، وجعله الدين يسرا ، ويقع الإخبار عن ضعف الإنسان عاما ، حسبما هو في نفسه ضعيف يستميله هواه في الأغلب و
الْإِنْسانُ
رفع على ما لم يسم فاعله ، و
ضَعِيفاً
حال ، وقرأ ابن عباس ومجاهد « وخلق الإنسان » على بناء الفعل للفاعل و
ضَعِيفاً
حال أيضا على هذه القراءة ، ويصح أن يكون
خُلِقَ
بمعنى جعل ، فيكسبها ذلك قوة التعدي إلى مفعولين ، فيكون قوله
ضَعِيفاً
مفعولا ثانيا . قوله تعالى :

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 29 إلى 30 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ( 29 ) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 30 ) هذا استثناء ليس من الأول ، والمعنى : لكن إن كانت تجارة فكلوها ، وقرأ المدنيون وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو : « تجارة » بالرفع على تمام « كان » وأنها بمعنى : وقع ، وقرأت فرقة ، هي الكوفيون حمزة وعاصم والكسائي : « تجارة » بالنصب على نقصان « كان » ، وهو اختيار أبي عبيد . قال القاضي أبو محمد : وهما قولان قويان ، إلا أن تمام « كان » يترجح عند بعض ، لأنها صلة « لأن » فهي محطوطة عن درجتها إذا كانت سليمة من صلة وغيرها ، وهذا ترجيح ليس بالقوي ولكنه حسن ، و
أَنْ
في موضع نصب ، ومن نصب « تجارة » جعل اسم كان مضمرا ، تقديره الأموال أموال تجارة ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، أو يكون التقدير : إلا أن تكون التجارة تجارة ، ومثل ذلك قول الشاعر : [ الطويل ] إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا أي : إذا كان اليوم يوما ، والاستثناء منقطع في كل تقدير وفي قراءة الرفع . فأكل الأموال بالتجارة جائز بإجماع الأمّة ، والجمهور على جواز الغبن في التجارة ، مثال ذلك : أن يبيع الرجل ياقوتة بدرهم وهي تساوي مائة ، فذلك جائز ، ويعضده حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم « لا يبع حاضر لباد » لأنه إنما أراد بذلك أن يبيع البادي باجتهاده ، ولا يمنع الحاضر الحاضر من رزق اللّه في غبنه ، وقالت فرقة : الغبن إذا تجاوز الثلث مردود ، وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات ، وأما المتفاحش الفادح فلا ، وقاله ابن وهب من أصحاب مالك رحمه اللّه . و
عَنْ تَراضٍ
معناه عن رضا ، إلا أنها جاءت من المفاعلة ، إذ التجارة من اثنين . واختلف أهل العلم في التراضي ، فقالت طائفة : تمامه وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع ، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه : اختر فيقول : قد اخترت ، وذلك بعد العقدة أيضا ، فينجزم حينئذ ، هذا هو قول الشافعي وجماعة من الصحابة ، وحجته حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم « البيعان بالخيار ما