تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
قوله تعالى :

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 26 إلى 28 ]

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 26 ) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ( 27 ) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ( 28 ) اختلف النحاة في اللام من قوله :
لِيُبَيِّنَ
فمذهب سيبويه رحمه اللّه : أن التقدير « لأن يبين » والمفعول مضمر ، تقديره : يريد اللّه هذا ، فإن كانت لام الجر أو لام كي فلا بد فيهما من تقدير « أن » لأنهما لا يدخلان إلا على الأسماء وقال الفراء والكوفيون : اللام نفسها بمنزلة « أن » وهو ضعيف ، ونظير هذه اللام قول الشاعر : [ الطويل ] أريد لأنسى ذكرها وقال بعض النحاة : التقدير إرادتي لأنسى .
وَيَهْدِيَكُمْ
بمعنى : يرشدكم ، لا يتوجه غير ذلك ، بقرينة السنن ، وال
سُنَنَ
: الطرق ووجوه الأمور وأنحاؤها . قال القاضي أبو محمد : ويظهر من قوة هذا الكلام أن شرعتنا في المشروعات كشرعة من قبلنا ، وليس ذلك كذلك ، وإنما هذه الهداية في أحد أمرين ، إما في أنّا خوطبنا في كل قصة نهيا وأمرا ، كما خوطبوا هم أيضا في قصصهم ، وشرع لنا كما شرع لهم ، فهدينا سننهم في ذلك ، وإن اختلفت أحكامنا وأحكامهم ، والأمر الثاني أن هدينا سننهم في أن أطعنا وسمعنا كما سمعوا وأطاعوا ، فوقع التماثل من هذه الجهة ، والذين من قبلنا : هم المؤمنون في كل شريعة ، وتوبة اللّه على عبده هي رجوعه به عن المعاصي إلى الطاعات وتوفيقه له ، وحسن
عَلِيمٌ
هنا بحسب ما تقدم من سنن الشرائع وموضع المصالح و
حَكِيمٌ
أي مصيب بالأشياء مواضعها بحسب الحكمة والإتقان . وتكرار إرادة اللّه تعالى التوبة على عباده تقوية للإخبار الأول ، وليس المقصد في هذه الآية إلا الإخبار عن إرادة الذين يتبعون الشهوات ، فقدمت إرادة اللّه توطئة ، مظهرة لفساد إرادة متبعي الشهوات ، واختلف المتأولون في متبعي الشهوات ، فقال مجاهد : هم الزناة ، وقال السدي : هم اليهود والنصارى ، وقالت فرقة : هم اليهود خاصة ، لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب ، وقال ابن زيد : ذلك على العموم في هؤلاء ، وفي كل متبع شهوة ، ورجحه الطبري ، وقرأ الجمهور « ميلا » بسكون الياء ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن « ميلا » بفتح الياء . وقوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ
المقصد الظاهر بهذه الآية أنها في تخفيف اللّه تعالى ترك نكاح الإماء بإباحة ذلك ، وأن إخباره عن ضعف الإنسان إنما هو في باب النساء ، أي لما علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء ، وكذلك قال مجاهد وابن زيد وطاوس ، وقال طاوس : ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 40 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى