تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
غير المدونة : كيف هذا ؟ وهو لا يبوؤه معها بيتا . وقال بعض الفقهاء : معنى ما في المدونة : أنه بشرط التبوئة ، فعلى هذا لا يكون قول سحنون خلافا و
مُحْصَناتٍ
وما بعده حال ، فالظاهر أنه بمعنى عفيفات إذ غير ذلك من وجوه الإحصان بعيد إلا مسلمات فإنه يقرب ، والعامل في الحال
فَانْكِحُوهُنَّ
ويحتمل أن يكون
فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ
كلاما تاما ، ثم استأنف « وآتوهن أجورهن مزوجات غير مسافحات » ، فيكون العامل
وَآتُوهُنَّ
، ويكون معنى الإحصان : التزويج ، و « المسافحات » من الزواني : المبتذلات اللواتي هن سوق للزنا ، « ومتخذات الأخدان » : هن المتسترات اللواتي يصحبن واحدا واحدا ويزنين خفية ، وهذان كانا نوعين في زنا الجاهلية ، قاله ابن عباس وعامر الشعبي والضحاك وغيرهم ، وأيضا فهو تقسيم عقلي لا يعطي الوجود إلا أن تكون الزانية إما لا ترد يد لامس وإما أن تختص من تقتصر عليه ، وقوله تعالى :
فَإِذا أُحْصِنَّ
الآية قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر « أحصن » على بناء الفعل للمفعول ، وقرأ حمزة والكسائي على بناء الفعل للفاعل ، واختلف عن عاصم ، فوجه الكلام أن تكون القراءة الأولى بالتزوج ، والثانية بالإسلام أو غيره مما هو من فعلهن ، ولكن يدخل كل معنى منهما على الآخر ، واختلف المتأولون فيما هو الإحصان هنا ، فقال الجمهور : هو الإسلام ، فإذا زنت الأمة المسلمة حدت نصف حد الحرة - وإسلامها هو إحصانها الذي في الآية ، وقالت فرقة : إحصانها الذي في الآية هو التزويج لحر ، فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها ، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة ، وقالت فرقة : الإحصان - في الآية التزوج ، إلا أن الحد واجب على الأمة المسلمة بالسنة ، وهي الحديث الصحيح في مسلم والبخاري ، أنه قيل : يا رسول اللّه ، الأمة إذا زنت ولم تحصن ؟ فأوجب عليها الحد . قال الزهري : فالمتزوجة محدودة بالقرآن والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث . قال القاضي أبو محمد : وهذا الحديث والسؤال من الصحابة يقتضي أنهم فهموا من القرآن أن معنى
أُحْصِنَّ
تزوجن ، وجواب النبي صلى اللّه عليه وسلم على ذلك يقتضي تقرير المعنى ومن أراد أن يضعف قول من قال : إنه الإسلام بأن الصفة لهن بالإيمان قد تقدمت وتقررت فذلك غير لازم ، لأنه جائز أن يقطع في الكلام ويزيد ، فإذا كن على هذه الحالة المتقدمة من الإيمان
فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ
، وذلك سائغ صحيح ، والفاحشة هنا : الزنى بقرينة إلزام الحد ، و
الْمُحْصَناتِ
في هذه الآية الحرائر ، إذ هي الصفة المشروطة في الحد الكامل ، والرجم لا يتنصف ، فلم يرد في الآية بإجماع ، ثم اختلف ، فقال ابن عباس والجمهور : على الأمة نصف المائة لا غير ذلك ، وقال الطبري وجماعة من التابعين : على الأمة نصف المائة ونصف المدة ، وهي نفي ستة أشهر ، والإشارة بذلك إلى نكاح الأمة ، و
الْعَنَتَ
في اللغة : المشقة ، وقالت طائفة : المقصد به هاهنا الزنا ، قاله مجاهد : وقال ابن عباس : ما ازلحف ناكح الأمة عن الزنا إلا قريبا ، قال : و
الْعَنَتَ
الزنا ، وقاله عطية العوفي والضحاك ، وقالت طائفة : الإثم ، وقالت طائفة : الحد . قال القاضي أبو محمد : والآية تحتمل ذلك كله ، وكل ما يعنت عاجلا وآجلا . وقوله تعالى :
وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ
يعني عن نكاح - الإماء - قاله سعيد بن جبير ومجاهد والسدي وابن عباس رضي اللّه عنهما ، وهذا ندب إلى الترك ، وعلته ما يؤدي إليه نكاح الإماء من استرقاق الولد ومهنتهن ، وهذه الجملة ابتداء وخبر تقديره : وصبركم خير لكم
وَاللَّهُ غَفُورٌ
، أي لمن فعل وتزوج .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 39 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى