وقوله :
ساعَةً
لفظ عين به الجزء القليل من الزمن ، والمراد جميع أجزائه أي لا يستأخرون ساعة ولا أقل منها ولا أكثر ، وهذا نحو قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
[ النساء : 40 ] فإنما هي عبارة يقام الجزء فيها مقام الكل .
قال القاضي أبو محمد : وكأنه يظهر بين هذه الآية وبين قوله تعالى :
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى *
[ إبراهيم : 10 ، نوح : 4 ] تعارض لأن تلك تقتضي الوعد بتأخير إن آمنوا والوعيد بمعاجلة إن كفروا .
قال القاضي أبو محمد : والحق مذهب أهل السنة أن كل أحد إنما هو بأجل واحد لا يتأخر عنه ولا يتقدم . وقوم نوح كان منهم من سبق في علم اللّه تعالى أنه يكفر فيعاجل ، وذلك هو أجله المحتوم ، ومنه من يؤمن فيتأخر إلى أجله المحتوم وغيب عن نوح تعيين الطائفتين فندب الكل إلى طريق النجاة وهو يعلم أن الطائفة إنما تعاجل أو تؤخر بأجلها ، فكأنه يقول : فإن آمنتم علمنا أنكم ممن قضى اللّه له بالإيمان والأجل المؤخر ، وإن كفرتم علمنا أنكم ممن قضي له بالأجل المعجل والكفر .
قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا الحد هو دعاء محمد عليه السلام العالم إلى طريق الجنة ، وقد علم أن منهم من يكفر فيدخل النار ، وكذلك هو أمر الأسير يقال له إما أن تؤمن فتترك وإلا قتلت .
وقوله تعالى :
يا بَنِي آدَمَ
الآية ، الخطاب في هذه الآية لجميع العالم . و « إن » الشرطية دخلت عليها « ما » مؤكدة . ولذلك جاز دخول النون الثقيلة على الفعل ، وإذا لم تكن « ما » لم يجز دخول النون الثقيلة . وقرأ أبي بن كعب والأعرج « تأتينكم » على لفظ الرسل . « وجاء يقصون » على المعنى . وكأنه هذا الخطاب لجميع الأمم قديمها وحديثها هو متمكن لهم ومتحصل منه لحاضري محمد عليه السلام أن هذا حكم اللّه في العالم منذ أنشأه . و
يَأْتِيَنَّكُمْ
مستقبل وضع موضع ماض ليفهم أن الإتيان باق وقت الخطاب لتقوى الإشارة بصحة النبوة إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا على مراعاة وقت نزول الآية ، وأسند الطبري إلى أبي سيار السلمي قال إن اللّه تعالى جعل آدم وذريته في كفه فقال
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
الآية ، قال ثم نظر إلى الرسل فقال
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ
[ المؤمنون : 52 ] ثم بثهم .
قال القاضي أبو محمد : ولا محالة أن هذه المخاطبة في الأزل وقيل المراد بالرسل محمد عليه السلام .
قال القاضي أبو محمد : من حيث لا نبي بعده ، فكأن المخاطبين هم المراد ببني آدم لا غير ، إذ غيرهم لم ينله الخطاب ، ذكره النقاش . و
يَقُصُّونَ
معناه يسردون ويوردون . و « الآيات » لفظ جامع لآيات الكتب المنزلة وللعلامات التي تقترن بالأنبياء ، وقوله :
فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ
يصح أن تكون « من » شرطية وجوابه
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وهذه الجملة هي في جواب الشرط الأول الذي هو
إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ
. ويصح أن تكون « من » في قوله
فَمَنِ اتَّقى
موصولة ، وكأنه قصد بالكلام تقسيم الناس فجعل القسم الأول
فَمَنِ اتَّقى
. والقسم الثاني
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
. وجاء هذا التقسيم بجملته جوابا للشرط في قوله
إِمَّا