تدخل طائفة منهم النار وذلك شقاء لا محالة ؟ فقالت طائفة إنه توزن أعمالهم دون التوحيد فتخف الحسنات فيدخلون النار ثم عند إخراجهم يوزن التوحيد فتثقل الحسنات فيدخلون الجنة ، وأيضا فمعرفة العاصي أنه غير مخلد فلاح وإن تقدمه شقاء على جهة التأديب .
وقوله تعالى :
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ
الآية ، المعنى من خفت كفة حسناته فشالت ، و
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
أي بالهلاك والخلود في النار وتلك غاية الخسارة ، وقوله :
بِما كانُوا
أي جزاء بذلك كما تقول أكرمتك بما أكرمتني ، و « ما » في هذا الموضع مصدرية ، و « الآيات » هنا البراهين والأوامر والنواهي و
يَظْلِمُونَ
أي يضعونها في غير مواضعها بالكفر والتكذيب .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 10 إلى 11 ]
وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 10 ) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 11 )
الخطاب لجميع الناس ، والمراد أن النوع بجملته ممكن في الأرض ، و « المعايش » جمع معيشة وهي لفظة تعم المأكول الذي يعاش به والتحرف الذي يؤدي إليه ، وقرأ الجمهور « معايش » بكسر الياء دون همز ، وقرأ الأعرج وغيره « معايش » بالهمز كمدائن وسفائن ، ورواه خارجة عن نافع ، وروي عن ورش « معايش » بإسكان الياء ، فمن قرأ « معايش » بتصحيح الياء فهو الأصوب لأنها جمع معيشة وزنها مفعلة ، ويحتمل أن تكون مفعلة بضم العين قالهما سيبويه ، وقال الفراء مفعلة بفتح العين فالياء في معيشة أصلية وأعلت معيشة لموافقتها الفعل الذي هو يعيش في الياء أي في المتحرك والساكن ، وصححت « معايش » في جمع التكسير لزوال الموافقة المذكورة في اللفظ ولأن التكسير معنى لا يكون في الفعل إنما تختص به الأسماء ، ومن قرأ « معايش » فعلى التخفيف من « معايش » ، ومن قرأ « معايش » فأعلها فذلك غلط ، وأما توجيهه فعلى تشبيه الأصل بالزائد لأن معيشة تشبه في اللفظ صحيفة فكما يقال صحائف قيل « معايش » ، وإنما همزت ياء صحائف ونظائرها مما الياء فيه زائدة لأنها لا أصل لها في الحركة وإنما وزنها فعلية ساكنة ، فلما اضطر إلى تحريكها في الجمع بدلت بأجلد منها .
و
قَلِيلًا
نصب ب
تَشْكُرُونَ
، ويحتمل أن تكون
ما
زائدة ، ويحتمل أن تكون مع الفعل بتأويل المصدر ،
قَلِيلًا
نعت لمصدر محذوف تقديره شكرا قليلا شكركم ، أو شكرا قليلا تشكرون .
وقوله تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ
الآية ، هذه الآية معناها التنبيه على موضع العبرة والتعجيب من غريب الصنعة وإسداء النعمة ، فبدأ بالخلق الذي هو الإيجاد بعد العدم ثم بالتصوير في هذه البنية المخصوصة للبشر ، وإلا فلم يعر المخلوق قط من صورة ، واضطراب الناس في ترتيب هذه الآية لأن ظاهرها يقتضي أن الخلق والتصوير لبني آدم قبل القول للملائكة أن يسجدوا ، وقد صححت الشريعة أن الأمر لم يكن كذلك ، فقالت فرقة : المراد بقوله :
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ
آدم بنفسه وإن كان الخطاب لبنيه ، وذلك لما كان سبب وجود بنيه بما فعل فيه صح مع تجوز أن يقال إنه فعل في بنيه ، وقال