أعلم بشيء منه علم وإلا لم يتكلم فيه ، وقوله تعالى :
وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
إما أن يكون متصلا بالكلام ويكون التكذيب في إخبارهم على معنى أن الأمر في نفسه بخلاف ما قصدوا لأنهم قصدوا الكذب ، أو يكون التكذيب في التمني على التجوز الذي ذكرناه ، وإما أن يكون منقطعا إخبارا مستأنفا عما هم عليه في وقت مخاطبة النبي عليه السلام ، والأول أصوب وقوله تعالى :
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا
الآية ، هذا على تأويل الجمهور ابتداء كلام وإخبار عنهم بهذه المقالة ، ويحسن مع هذا أن يكون قوله قبل
وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
مستأنفا مقطوعا خبرا عن حالهم في الدنيا التي من قولهم فيها
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
وغير ذلك ، و
إِنْ
نافية ، ومعنى الآية التكذيب بالحشر والعودة إلى اللّه ، وقال ابن زيد قوله
وَقالُوا
معطوف على قوله
لَعادُوا
أي
لَعادُوا
لما نهوا عنه من الكفر
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
.
قال القاضي أبو محمد : وتوقيف اللّه لهم في الآية بعدها على البعث والإشارة إليه في قوله :
أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ
يرد على هذا التأويل وقوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا
الآية ، بمعنى ولو ترى إذ وقفوا كما تقدم آنفا من حذف جواب
لَوْ
وقوله :
عَلى رَبِّهِمْ
معناه على حكمه وأمره ، ففي الكلام ولا بد حذف مضاف ، وقوله :
هذا
إشارة إلى البعث الذي كذبوا به في الدنيا ، و
بَلى
هي التي تقتضي الإقرار بما استفهم عنه منفيا ولا تقتضي نفيه وجحده ونعم تصلح للإقرار به ، كما ورد ذلك في قول الأنصار للنبي عليه السلام حين عاتبهم في الحظيرة عقب غزوة حنين وتصلح أيضا نعم لجحده ، فلذلك لا تستعمل وأما قول الزجاج وغيره : إنها إنما تقتضي جحده وأنهم لو قالوا نعم عند قوله :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
لكفروا فقول خطأ واللّه المستعان ، وقولهم : بلى وربك إيمان ، ولكنه حين لا ينفع ، وقوله :
فَذُوقُوا
استعارة بليغة ، والمعنى باشروه مباشرة الذائق إذ هي من أشد المباشرات .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 31 ]
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 31 )
هذا استئناف إخبار عن خسارة المكذبين يتضمن تعظيم المصاب الذي حل بهم ، وتستعمل الخسارة في مثل هذا لأنه من أخذ الكفر واتبعه فكأنه قد أعطى الإيمان واطرحه ، فأشبهت صفقة أخذ وإعطاء والإشارة بهذه الآية إلى الذين قالوا إنما هي حياتنا الدنيا ، وقوله :
بِلِقاءِ اللَّهِ
معناه : بالرجوع إليه وإلى أحكامه وقدرته ، كما تقول لقي فلان أعماله أي لقي عواقبها ومآلها ، و
السَّاعَةُ
يوم القيامة ، وأدخل عليها تعريف العهد دون تقدم ذكرها لشهرتها واستقرارها في النفوس وذيعان ذكرها ، وأيضا فقد تضمنها قوله تعالى :
بِلِقاءِ اللَّهِ
وبغتة معناه فجأة ، تقول بغتني الأمر أي فجأني ومنه قول الشاعر :
ولكنهم بانوا ولم أخش بغتة * وأفظع شيء حين يفجأك البغت
ونصبها على المصدر في موضع الحال كما تقول : قتلته صبرا ، ولا يجيز سيبويه القياس عليه ولا تقول جاء فلان سرعة ونحوه ، ونداء الحسرة على تعظيم الأمر وتشنيعه ، قال سيبويه وكأن الذي ينادي الحسرة أو