نوقف هذا الوقوف غير مكذبين بآيات ربنا كائنين من المؤمنين .
قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل يضعف من غير وجه ويبطله قوله تعالى :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
[ الأنعام : 28 ] ولا يصح أيضا التكذيب في هذا التمني لأنه تمني ما قد مضى . وإنما يصح التكذيب الذي ذكرناه قبل هذا على تجوز في تمني المستقبلات .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 28 إلى 30 ]
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 28 ) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 29 ) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 30 )
الضمير في
لَهُمْ
عائد على من ذكر في قوله :
وُقِفُوا
و
فَقالُوا
[ الأنعام : 27 ] وهذا الكلام يتضمن أنهم
كانُوا يُخْفُونَ
شيئا ما في الدنيا فظهر لهم يوم القيامة أو ظهر لهم وباله وعاقبته ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وحكى الزهراوي عن فرقة أنها قالت : الآية في المنافقين لأنهم كانوا « يخفون » الكفر فبدا لهم وباله يوم القيامة .
قال القاضي أبو محمد : وتقلق العبارة على هذا التأويل لأنه قال
وُقِفُوا
يريد جماعة كفار ثم قال
بَدا لَهُمْ
يريد المنافقين من أولئك الكفار ، والكلام لا يعطي هذا إلا على تحامل ، قال الزهراوي : وقيل إن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي صلى اللّه عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يشعر به أتباعهم فظهر لهم ذلك يوم القيامة .
قال القاضي أبو محمد : ويصح أن يكون مقصد الآية الإخبار عن هول ما لقوه والتعظيم لما شقوا به ، فعبر عن ذلك بأنهم ظهرت لهم مستوراتهم في الدنيا من معاص وغير ذلك ، فكيف الظن على هذا بما كانوا يعلنون من كفر ونحوه ، وينظر إلى هذا التأويل قوله تعالى في تعظيم شأن يوم القيامة
يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ
[ الطارق : 9 ] ويصح أن يقدر الشيء الذي كانوا يخفونه في الدنيا نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وأقواله ، وذلك أنهم كانوا « يخفون » ذلك في الدنيا بأن يحقروه عند من يرد عليهم ويصفوه بغير صفته ويتلقوا الناس على الطرق فيقولون لهم هو ساحر هو يفرق بين الأقارب ، يريدون بذلك إخفاء أمره وإبطاله ، فمعنى هذه الآية على هذا ، بل بدا لهم يوم القيامة أمرك وصدقك وتحذيرك وإخبارك بعقاب من كفر الذي كانوا يخفونه في الدنيا ، ويكون الإخفاء على ما وصفناه ، وقال الزجاج المعنى ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة « يخفون » من البعث .
قال القاضي أبو محمد : فالضميران على هذا ليسا لشيء واحد ، وحكى المهدوي عن الحسن نحو هذا ، وقرأ يحيى بن وثاب والنخعي والأعمش « ولو ردوا » بكسر الراء على نقل حركة الدال من رددوا إليها ، وقوله :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا
إخبار عن أمر لا يكون كيف كان يوجد ، وهذا النوع مما استأثر اللّه بعلمه ، فإن