بريدة والأعرج ونبيح وابن عمران « مثوبة » بسكون الثاء وفتح الواو ، وقال أبو الفتح هذا مما خرج عن أصله شاذا عن نظائره ، ومثله قول العرب : الفاكهة مقودة إلى الأذى ، بسكون القاف وفتح الواو ، والقياس مثابة ومقادة ، وأما مثوبة بضم الثاء فأصلها مثوبة وزنها مفعلة بضم العين نقلت حركة الواو إلى الثاء وكانت قبل مثوبة مثل مقولة ، والمعنى في القراءتين مرجعا عند اللّه أي في الحشر يوم القيامة ، تقول العرب : ثاب يثوب إذا رجع ، منه قوله تعالى :
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً
[ البقرة : 125 ] ومشى المفسرون في هذه الآية على أن الذين أمر أن يقول لهم
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ
هم اليهود والكفار المتخذون ديننا هزؤا ولعبا ، قال ذلك الطبري وتوبع عليه ولم يسند في ذلك إلى متقدم شيئا ، والآية تحتمل أن يكون القول للمؤمنين ، أي قل يا محمد للمؤمنين هل أنبئكم بشرّ من حال هؤلاء الفاسقين في وقت الرجوع إلى اللّه ، أولئك أسلافهم الذين لعنهم اللّه وغضب عليهم ، فتكون الإشارة بذلك إلى حالهم من كون أكثرهم فاسقين ، وتحتمل الآية أن يكون القول للحاضرين من بني إسرائيل وتكون الإشارة بذلك إلى حال الحاضرين من كون أكثرهم فاسقين ويكون قوله
شَرٌّ
و
أَضَلُّ
صفتي تفضيل بين شيئين لهما اشتراك في الشر والضلال ، وتحتمل الآية أن يكون القول للحاضرين من بني إسرائيل والإشارة بذلك إلى إيمان المؤمنين وجميع حالهم ويوجه التفضيل ب
شَرٌّ
و
أَضَلُّ
على أن الاشتراك في الشر والضلال هو في معتقد اليهود فأما في الحقيقة فلا شر ولا ضلال عند المؤمنين ، ولا شركة لهم في ذلك مع اليهود والكفار ، ويكون على هذا الاحتمال قوله :
مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ
الآية يراد به جميع بني إسرائيل الأسلاف والأخلاف ، لأن الخلف يذم ويعير بمذمات السلف إذا كان الخلف غير مراجع ولا ذام لما كان عليه سلفه ، فهو في حكمه ، وفي قراءة أبي بن كعب وعبد اللّه بن مسعود « من غضب اللّه عليهم وجعلهم قردة وخنازير » ، واللعنة الإبعاد عن الخير ، وقوله تعالى :
وَجَعَلَ
هي بمعنى صير ، وقال أبو علي في كتاب الحجة هي بمعنى خلق .
قال القاضي أبو محمد : وهذه منه رحمه اللّه نزعة اعتزالية ، لأن قوله :
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ
تقديره ومن عبد الطاغوت ، والمعتزلة لا ترى أن اللّه يصير أحدا عابد الطاغوت ، وقد تقدم قصص مسخهم قردة في سورة البقرة ، وأما مسخهم خنازير ، فروي أن ذلك بسبب امرأة كانت مؤمنة من بني إسرائيل وكفر ملك منهم في مدينة من مدنهم وكفر معه أهل مملكته ، فدعت المرأة قوما إلى نصرة الدين فأجابوها فخرجت بهم فهزموا ثم فعلت ذلك ثانية وثالثة في كل مرة يهزم جمعها ، فيئست وباتت مهمومة ، فلما أصبح رأت أهل تلك المدينة ينفقون في نواحيها خنازير فقالت : الآن أعلم أن اللّه أعز دينه وآثر دينه ، قال عمرو بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري ما كان مسخ بني إسرائيل إلا على يدي تلك المرأة ، وقوله تعالى :
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ
تقديره ومن عبد الطاغوت ، وذلك عطف على قوله :
مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ
أو معمول ل
جَعَلَ
وفي هذا يقول أبو علي : إن
جَعَلَ
بمعنى خلق ، واختلفت القراءة في هذا الحرف فقرأ حمزة وحده « وعبد الطاغوت » بفتح العين وضم الباء وكسر التاء من الطاغوت وذلك أن « عبد » لفظ مبالغة كيقظ وندس فهو لفظ مفرد يراد به الجنس وبني بناء الصفات ، لأن « عبدا » في الأصل صفة وإن كان استعمل استعمال الأسماء ، وذلك لا يخرجه عن حكم الصفة فلذلك لم يمتنع أن يبنى منه بناء الصفات ، وقرأ بهذه القراءة الأعمش ويحيى بن وثاب ، ومنه قول الشاعر : [ أوس بن حجر ] .