تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : وقال مجاهد : نزلت الآية في علي بن أبي طالب تصدق وهو راكع ، وفي هذا القول نظر ، والصحيح ما قدمناه من تأويل الجمهور ، وقد قيل لأبي جعفر نزلت هذه الآية في علي ، فقال علي من المؤمنين ، والواو على هذا القول في قوله
وَهُمْ
واوا الحال ، وقال قوم نزلت الآية من أولها بسبب عبادة بن الصامت وتبريه من بني قينقاع ، وقال ابن الكلبي نزلت بسبب قوم أسلموا من أهل الكتاب فجاءوا فقالوا يا رسول اللّه بيوتنا بعيدة ولا متحدث لنا إلا مسجدك وقد أقسم قومنا أن لا يخالطونا ولا يوالونا ، فنزلت الآية مؤنسة لهم . ثم أخبر تعالى أن من يتول اللّه ورسوله والمؤمنين فإنه غالب كل من ناوأه ، وجاءت العبارة عامة
فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
اختصارا لأن المتولي هو من حزب اللّه ، وحزب اللّه غالب ، فهذا الذي تولى اللّه ورسوله والمؤمنين غالب ، و
مَنْ
يراد بها الجنس لا مفرد بعينه ، و « الحزب » الصاغية والمنتمون إلى صاحب الحزب والمعاونون فيما يحزب ، ومنه قول عائشة في حمنة : وكانت تحارب في أمر الإفك فهلكت فيمن هلك ، ثم نهى اللّه تعالى المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، فوسمهم بوسم يحمل النفوس على تجنبهم ، وذلك اتخاذهم دين المؤمنين
هُزُواً وَلَعِباً
والهزء السخرية والازدراء ويقرأ « هزؤا » بضم الزاي والهمز ، و « هزؤا » بسكون الزاي والهمز ويوقف عليه هزا بتشديد الزاي المفتوحة ، و « هزوا » بضم الزاي وتنوين الواو ، و « هزا » بزاي مفتوحة منونة ، ثم بين تعالى جنس هؤلاء أنهم من أهل الكتاب اليهود والنصارى ، واختلف القراء في إعراب
الْكُفَّارَ
فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة : « والكفار » نصبا ، وقرأ أبو عمرو والكسائي « والكفار » خفضا ، وروى حسين الجعفي عن أبي عمرو النصب ، قال أبو علي : حجة من قرأ بالخفض حمل الكلام على أقرب العاملين وهي لغة التنزيل . قال القاضي أبو محمد : ويدخل « الكفار » على قراءة الخفض فيمن اتخذ دين المؤمنين هزؤا ، وقد ثبت استهزاء الكفار في قوله :
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
[ الحجر : 95 ] وثبت استهزاء أهل الكتاب في لفظ هذه الآية ، وثبت استهزاء المنافقين في قولهم لشياطينهم
إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
[ البقرة : 14 ] ، ومن قرأ « الكفار » بالنصب حمل على الفعل الذي هو
لا تَتَّخِذُوا
، ويخرج الكفار من أن يتضمن لفظ هذه الآية استهزاءهم ، وقرأ أبيّ بن كعب « ومن الكفار » بزيادة « من » فهذه تؤيد قراءة الخفض ، وكذلك في قراءة ابن مسعود « من قبلكم من الذي أشركوا » ، وفرقت الآية بين الكفار وبين الذين أوتوا الكتاب من حيث الغلب في اسم الكفار أن يقع على المشركين باللّه إشراك عبادة أوثان ، لأنهم أبعد شأوا في الكفر ، وقد قال تعالى :
جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ *
[ التوبة : 73 ] ففرق بينهم إرادة البيان والجمع كفار وكان هذا لأن عباد الأوثان هم كفار من كل جهة ، وهذه الفرق تلحق بهم في حكم الكفر وتخالفهم في رتب ، فأهل الكتاب يؤمنون باللّه وببعض الأنبياء ، والمنافقون بألسنتهم ، ثم أمر تعالى بتقواه ونبه النفوس بقوله :
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
أي حق مؤمنين . قوله عزّ وجل :

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 58 إلى 60 ]

وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 58 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ( 59 ) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 60 )
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 209 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى