تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
الإطلاق أعني الياء في اصنعي فتضعف قراءة من قرأ « أفحكم » بالرفع لأن الفعل بعده لا ضمير فيه ولا عوض من الضمير ، وألف الاستفهام التي تطلب الفعل ويختار معها النصب وإن لفظ بالضمير حاضرة ، وإنما تتجه القراءة على أن يكون التقدير أفحكم الجاهلية حكم يبغون فلا تجعل يبغون خبرا بل تجعله صفة خبر موصوف محذوف ، ونظيره قوله تعالى :
مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ
[ النساء : 46 ] تقديره قوم يحرفون فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه ، ومثله قول الشاعر :
وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
وقرأ سليمان بن مهران « أفحكم » بفتح الحاء والكاف والميم وهو اسم جنس ، وجاز إضافة اسم الجنس على نحو قولهم منعت العراق قفيزها ودرهمها ومصر إردبها ، وله نظائر . قال القاضي أبو محمد : فكأنه قال أفحكام الجاهلية يبغون ؟ إشارة إلى الكهان الذين كانوا يأخذون الحلوان ويحكمون بحسبه وبحسب الشهوات ، ثم ترجع هذه القراءة بالمعنى إلى الأولى لأن التقدير
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ
، وقرأ ابن عامر « تبغون » بالتاء على الخطاب لهم أي قل لهم . وباقي السبعة « يبغون » بالياء من تحت ، و
يَبْغُونَ
معناه يطلبون ويريدون ، وقوله تعالى :
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً
تقرير أي لا أحد أحسن منه حكما تبارك وتعالى وحسن دخول اللام في قوله :
لِقَوْمٍ
من حيث المعنى يبين ذلك ويظهر لقوم يوقنون . قوله عزّ وجل :

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 51 إلى 52 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 51 ) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ( 52 ) نهى اللّه تعالى المؤمنين بهذه الآية عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء في النصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والمعاضدة . وحكم هذه الآية باق . وكل من أكثر مخالطة هذين الصنفين فله حظه من هذا المقت الذي تضمنه قوله تعالى :
فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
، وأما معاملة اليهودي والنصراني من غير مخالطة ولا ملابسة فلا تدخل في النهي ، وقد عامل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يهوديا ورهنه درعه ، واختلف المفسرون في سبب هذه الآية ، فقال عطية بن سعد والزهري وابن إسحاق وغيرهم : سببها أنه لما انقضت بدر وشجر أمر بني قينقاع أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قتلهم فقام دونهم عبد اللّه بن أبي ابن سلول وكان حليفا لهم ، وكان لعبادة بن الصامت من حلفهم مثل ما لعبد اللّه ، فلما رأى عبادة منزع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وما سلكته يهود من المشاقة للّه ورسوله جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه إني أبرأ إلى اللّه من حلف يهود وولائهم ولا والي إلا اللّه ورسوله ، وقال عبد اللّه بن أبي : أما أنا فلا أبرأ من ولاء يهود ، فإني لا بد لي منهم إني رجل أخاف الدوائر ، وحكى ابن إسحاق في السير أنه قام إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأدخل يده في جيب درعه ، وقال : يا محمد أحسن في مواليّ ، فقال له رسول اللّه :