تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
بضم النون من « أن احكم » مراعاة للضمة في عين الفعل المضارع ، ويقرأ بكسرها على القانون في التقاء الساكنين ، وهذه الآية ناسخة عند قوم للتخيير الذي في قوله
أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
[ المائدة : 42 ] وقد تقدم ذكر ذلك ، ثم نهاه تعالى عن اتباع أهواء بني إسرائيل إذ هي مضلة ، والهوى في الأغلب إنما يجيء عبارة عما لا خير فيه ، وقد يجيء أحيانا مقيدا بما فيه خير ، من ذلك قول عمر بن الخطاب في قصة رأيه ورأي أبي بكر في أسرى بدر : فهوى رسول اللّه رأي أبي بكر ، ومنه قول عمر بن عبد العزيز وقد قيل له ما ألذ الأشياء عندك ؟ قال : حق وافق هوى ، والهوى مقصور ووزنه فعل ، ويجمع على أهواء ، والهواء ممدود ويجمع على أهوية ، ثم حذر تبارك وتعالى من جهتهم « أن يفتنوه » أي يصرفوه بامتحانهم وابتلائهم عن شيء مما أنزل اللّه عليه من الأحكام ، لأنهم كانوا يريدون أن يخدعوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا له مرارا احكم لنا في نازلة كذا بكذا ونتبعك على دينك ، وقوله تعالى :
فَإِنْ تَوَلَّوْا
قبله محذوف من الكلام يدل عليه الظاهر ، تقديره لا تتبع واحذر ، فإن حكموك مع ذلك واستقاموا فنعما ذلك وإن تولوا فاعلم ، ويحسن أن يقدر هذا المحذوف المعادل بعد قوله
لَفاسِقُونَ
، وقوله تعالى :
فَاعْلَمْ
الآية وعد للنبي صلى اللّه عليه وسلم فيهم ، وقد أنجزه بقصة بني قينقاع وقصة قريظة والنضير وإجلاء عمر أهل خيبر وفدك وغيرهم ، وخصص تعالى إصابتهم ببعض الذنوب دون كلها لأن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا وذنوبهم فيها نوعان : نوع يخصهم كشرب الخمر ورباهم ورشاهم ونحو ذلك ، ونوع يتعدى إلى النبي والمؤمنين كمعاملاتهم للكفار وأقوالهم في الدين ، فهذا النوع هو الذي يوجد إليهم السبيل وبه هلكوا وبه توعدهم اللّه في الدنيا ، فلذلك خصص البعض دون الكل ، وإنما يعذبون بالكل في الآخرة ، وقوله تعالى :
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ
إشارة إليهم لكن جاءت العبارة تعمهم وغيرهم ليتنبه سواهم ممن كان على فسق ونفاق وتولّ عن النبي عليه السلام فيرى أنه تحت الوعيد . واختلف القراء في قوله تعالى :
أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ
فقرأ الجمهور بنصب الميم على إعمال فعل ما يلي ألف الاستفهام بينه هذا الظاهر بعد ، وقرأ يحيى بن وثاب والسلمي وأبو رجاء والأعرج « أفحكم » برفع الميم ، قال ابن مجاهد : وهي خطأ ، قال أبو الفتح : ليس كذلك ولكنه وجه غيره أقوى منه . وقد جاء في الشعر ، قال أبو النجم :
قد أصبحت أم الخيار تدعي * عليّ ذنبا كلّه لم أصنع
برفع كلّ . قال القاضي أبو محمد : وهكذا الرواية ، وبها يتم المعنى الصحيح لأنه أراد التبرؤ من جميع الذنب ، ولو نصب « كل » لكان ظاهر قوله إنه صنع بعضه ، وهذا هو حذف الضمير من الخبر وهو قبيح ، التقدير يبغونه ولم أصنعه ، وإنما يحذف الضمير كثيرا من الصلة كقوله تعالى :
أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا
[ الفرقان : 41 ] ، وكما تقول مررت بالذي أكرمت ، ويحذف أقل من ذلك من الصفة ، وحذفه من الخبر قبيح كما جاء في بيت أبي النجم ، ويتجه بيته بوجهين : أحدهما أنه ليس في صدر قوله ألف استفهام يطلب الفعل كما هي في قوله تعالى :
أَ فَحُكْمَ
والثاني أن في البيت عوضا من الهاء المحذوفة ، وذلك حرف
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 202 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى