قال القاضي أبو محمد : وبقي النفي للمخيف فقط ، وقوله تعالى :
يُحارِبُونَ اللَّهَ
تغليظ جعل ارتكاب نهيه محاربة ، وقيل التقدير يحاربون عباد اللّه ، ففي الكلام حذف مضاف ، وقوله تعالى :
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً
تبيين للحرابة أي : ويسعون بحرابتهم ، ويحتمل أن يكون المعنى ويسعون فسادا منضافا إلى الحرابة ، والرابط إلى هذه الحدود إنما هو الحرابة ، وقرأ الجمهور « يقتّلوا ، يصلّبوا ، تقطّع » بالتثقيل في هذه الأفعال للمبالغة والتكثير ، والتكثير هنا إنما هو من جهة عدد الذين يوقع بهم كالتذبيح في بني إسرائيل في قراءة من ثقل
يُذَبِّحُونَ *
وقرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن « يقتلوا ، ويصلبوا ، تقطع » بالتخفيف في الأفعال الثلاثة ، وأما قتل المحارب فبالسيف ضربة العنق ، وأما صلبه فجمهور من العلماء على أنه يقتل ثم يصلب نكالا لغيره ، وهذا قول الشافعي ، وجمهور من العلماء على أنه يصلب حيا ويقتل بالطعن على الخشبة ، وروي هذا عن مالك وهو الأظهر من الآية وهو الأنكى في النكال ، وأما القطع فاليد اليمنى من الرسغ والرجل الشمال من المفصل ، وروي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه كان يقطع اليد من الأصابع ويبقي الكف والرجل من نصف القدم ويبقي العقب واختلف العلماء في النفي فقال السدي : هو أن يطلب أبدا بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه حدّ اللّه ويخرج من دار الإسلام ، وروي عن ابن عباس أنه قال : نفيه أن يطلب وقاله أنس بن مالك ، وروي ذلك عن الليث ومالك بن أنس غير أن مالكا قال : لا يضطر مسلم إلى دخول دار الشرك ، وقال سعيد بن جبير : النفي من دار الإسلام إلى دار الشرك ، وقالت طائفة من العلماء منهم عمر بن عبد العزيز : النفي في المحاربين أن ينفوا من بلد إلى غيره مما هو قاص بعيد ، وقال الشافعي : ينفيه من عمله ، وقال أبو الزناد : كان النفي قديما إلى دهلك وباضع وهما من أقصى اليمن ، وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة : النفي في المحاربين السجن فذلك إخراجهم من الأرض .
قال القاضي أبو محمد : والظاهر أن
الْأَرْضِ
في هذه الآية هي أرض النازلة ، وقد جنب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذنوب ومنه حديث الذي ناء بصدر ، نحو الأرض المقدسة ، وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب المنفي مخوف الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة وإفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه ، وإن كان غير مخوف الجانب ترك مسرحا ، وهذا هو صريح مذهب مالك : أن يغرب ويسجن حيث يغرب ، وهذا هو الأغلب في أنه مخوف ، ورجحه الطبري وهو الراجح لأن نفيه من أرض النازلة أو الإسلام هو نص الآية وسجنه بعد بحسب الخوف منه ، فإذا تاب وفهم حاله سرح وقوله تعالى :
ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ
إشارة إلى هذه الحدود التي توقع بهم ، وغلظ اللّه الوعيد في ذنب الحرابة بأن أخبر أن لهم في الآخرة عذابا عظيما مع العقوبة في الدنيا ، وهذا خارج عن المعاصي الذي في حديث عبادة بن الصامت في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو له كفارة .
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يكون الخزي لمن عوقب ، وعذاب الآخرة لمن سلم في الدنيا ، ويجرى هذا الذنب مجرى غيره ، وهذا الوعيد مشروط الإنفاذ بالمشيئة ، اما أن الخوف يغلب عليهم بحسب الوعيد وعظم الذنب ، والخزي في هذه الآية الفضيحة والذل والمقت .
وقوله تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ
استثنى عزّ وجل التائب قبل أن يقدر عليه