تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
ويقال فعلت ذلك من أجلك بفتح الهمزة ومن إجلك بكسرها ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ذلك بوصل الألف وكسر النون قبلها ، وهذا على أن ألقى حركة الهمزة على النون كما قالوا كم إبلك بكسر الميم ووصل الألف . ومن إبراهيم بكسر النون و
كَتَبْنا
معناه كتب بأمرنا في كتب منزلة عليهم تضمنت فرض ذلك ، وخص اللّه تعالى :
بَنِي إِسْرائِيلَ
بالذكر وقد تقدمتهم أمم كان قتل النفس فيهم محظورا لوجهين ، أحدهما فيما روي أن
بَنِي إِسْرائِيلَ
أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل النفس في كتاب ، وغلظ الأمر عليهم بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء ، والآخر لتلوح مذمتهم في أن كتب عليهم هذا وهم مع ذلك لا يرعوون ولا ينتهون بل همّوا بقتل النبي صلى اللّه عليه وسلم ظلما ، فخصوا بالذكر لحضورهم مخالفين لما كتب عليهم ، وقوله تعالى :
بِغَيْرِ نَفْسٍ
معناه بغير أن تقتل نفسا فتستحق القتل ، وقد حرم اللّه تعالى نفس المؤمن إلا بإحدى ثلاث خصال ، كفر بعد إيمان ، أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس ظلما وتعديا . وهنا يندرج المحارب ، والفساد في الأرض بجميع الزنا والارتداد والحرابة ، وقرأ الحسن « أو فسادا في الأرض » بنصب الفساد على فعل محذوف وتقديره أو أتى فسادا أو أحدث فسادا ، وحذف الفعل الناصب لدلالة الكلام عليه ، وقوله تعالى :
فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
اضطرب لفظ المفسرين في ترتيب هذا التشبيه ، فروي عن ابن عباس أنه قال المعنى من قتل نبيا أو إمام عدل
فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً
ومن أحياه بأن شد عضده ونصره
فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
. قال القاضي أبو محمد : وهذا قول لا تعطيه الألفاظ ، وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال : المعنى من قتل نفسا واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعا . ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها مخافتي واستحياها أن يقتلها فهو كمن أحيا الناس جميعا . وقال عبد اللّه بن عباس أيضا ، المعنى فكأنما قتل الناس جميعا عند المقتول ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعا عند المستنقذ . وقال ابن عباس أيضا وغيره المعنى من قتل نفسا فأوبق نفسه فكأنه قتل الناس جميعا إذ يصلى النار بذلك ومن سلم من قتلها فكأنه سلم من « قتل الناس جميعا » ، وقال مجاهد الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدا جعل اللّه جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ، يقول لو « قتل الناس جميعا » لم يزد على ذلك . ومن لم يقتل أحدا فقد حيي الناس منه ، وقال ابن زيد المعنى أي من قتل نفسا فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من « قتل الناس جميعا » . قال ومن أحياها أي من عفا عمن وجب له قتله ، وقاله الحسن أيضا أي هو العفو بعد القدرة ، وقال مجاهد ومن أحياها أنقذها من حرق أو غرق ، وقال قوم لما كان المؤمنون كلهم يطلبون القاتل كان كمن قتل الناس جميعا . قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : وهذا قول متداع ولم يتخلص التشبيه إلى طرف في شيء من هذه الأقوال ، والذي أقول إن الشبه بين قاتل النفس وقاتل الكل لا يطرد من جميع الجهات ، لكن الشبه قد تحصل من ثلاث جهات . إحداها القود فإنه واحد ، والثانية الوعيد ، فقد توعد اللّه قاتل النفس بالخلود في النار ، وتلك غاية العذاب ، فإن فرضناه يخرج من النار بعد بسبب التوحيد فكذلك قاتل الجميع ان لو اتفق ذلك ، والثالثة انتهاك الحرمة ، فإن نفسا واحدة ، في ذلك وجميع الأنفس سواء ، والمنتهك في واحدة ملحوظ بعين منتهك الجميع ، ومثال ذلك رجلان حلفا على شجرتين ألا يطعما من ثمرهما شيئا ، فطعم