تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
والفضيلة إنما هو أن يؤتاهما في الدنيا ويتصف بهما ويكون ثمرة ذلك في الآخرة التشفيع في المقام المحمود ، ومن هذه اللفظة قول الشاعر :
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا * وعاد التصافي بيننا والوسائل
أنشده الطبري ، وقوله تعالى :
وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ
خص الجهاد بالذكر لوجهين ، أحدهما نباهته في أعمال البر وأنه قاعدة الإسلام ، وقد دخل بالمعنى في قوله :
وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
ولكن خصه تشريفا ، والوجه الآخر أنها العبادة التي تصلح لكل منهي عن المحاربة وهو معدلها من حاله وسنه وقوته وشره نفسه ، فليس بينه وبين أن ينقلب إلى الجهاد إلا توفيق اللّه تعالى . واللام في قوله :
لِيَفْتَدُوا
لام كي ، وقرأ جمهور الناس « تقبل » بضم التاء والقاف على ما لم يسم فاعله ، وقرأ يزيد بن قطيب « تقبل » بفتحها على معنى ما قبل اللّه . وقوله تعالى :
يُرِيدُونَ
إخبار عن أنهم يتمنون هذا في قلوبهم ، وفي غير ما آية أنهم ينطقون عن هذه الإرادة ، وقال الحسن بن أبي الحسن : إذا فارت بهم النار قربوا من حاشيتها فحينئذ يريدون الخروج ويطمعون به وذلك قوله تعالى :
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ
. قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : وقد تأول قوم هذه الإرادة أنها بمعنى يكادون على هذا القصص الذي حكى الحسن ، وهذا لا ينبغي أن يتأول إلا فيما لا تتأتى منه الإرادة الحقيقة كقوله تعالى :
يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ
[ الكهف : 77 ] وأما في إرادة بني آدم فلا إلا على تجوز كثير ، وقرأ جمهور الناس « يخرجوا » بفتح الياء وضم الراء وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي « يخرجوا » بضم الياء وفتح الراء ، وأخبر تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم ليسوا بخارجين من النار بل عذابهم فيها مقيم متأبد ، وحكى الطبري عن نافع بن الأزرق الخارجي أنه قال لابن عباس يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم أن قوما « يخرجون من النار » وقد قال اللّه تعالى :
وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها
فقال له ابن عباس : ويحك اقرأ ما فوقها ، هذه الآية في الكفار . قوله عزّ وجل :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 38 ]

وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 ) قرأ جمهور القراء « والسارق والسارقة » بالرفع ، وقرأ عيسى بن عمر وإبراهيم بن أبي عبلة « والسارق والسارقة » بالنصب ، قال سيبويه رحمه اللّه الوجه في كلام العرب النصب كما تقول زيدا اضربه ، ولكن أبت العامة إلا الرفع يعني عامة القراء وجلهم ، قال سيبويه الرفع في هذا وفي قوله :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي
[ النور : 2 ] وفي قول اللّه :
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ
[ النساء : 16 ] هو على معنى فيما فرض عليكم . والفاء في قوله تعالى :
فَاقْطَعُوا
ردت المستقل غير مستقل ، لأن قوله فيما فرض عليكم السارق جملة حقها وظاهرها الاستقلال ، لكن المعنى المقصود ليس إلا في قوله :
فَاقْطَعُوا
فهذه الفاء هي التي ربطت الكلام الثاني بالأول وأظهرت الأول هنا غير مستقل ، وقال أبو العباس المبرد وهو قول جماعة من البصريين ، اختار