تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
القبول والحتم بالرحمة ، علم ذلك بأخبار اللّه تعالى ، لا أن ذلك يجب على اللّه تعالى عقلا ، وقال عدي بن ثابت وغيره : قربان متقي هذه الأمة الصلاة . واختلف الناس لم قال هابيل :
ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ
؟ فقال مجاهد : كان الفرض عليهم حينئذ أن لا يسل أحد سيفا وأن لا يمتنع من أريد قتله . . وقال عبد اللّه بن عمرو وجمهور الناس : كان هابيل أشد قوة من قابيل ، ولكنه تحرج . قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : وهذا هو الأظهر . ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص لا كافر ، لأنه لو كان كافرا لم يكن للتحرج وجه ، وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحدا ويرضى بأن يظلم ليجازى في الآخرة ، ونحو هذا فعل عثمان بن عفان رضي اللّه عنه . وقوله :
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ
الآية ، ليست هذه بإرادة محبة وشهوة ، وإنما هو تخير في شرين ، كما تقول العرب في الشر خيار ، فالمعنى إن قتلتني وسبق بذلك قدر فاختياري أن أكون مظلوما سيستنصر اللّه لي في الآخرة ، وتبوء معناه تمضي متحملا . وقوله :
بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ
قيل معناه : بإثم قتلي وسائر آثامك التي أوجبت أن لا يتقبل منك ، وقيل المعنى : بإثم قتلي وإثمك في العداء علي إذ هو في العداء وإرادة القتل آثم ولو لم ينفذ القتل ، وقيل المعنى : بإثمي إن لو قاتلتك وقتلتك وإثم نفسك في قتالي وقتلي . قال القاضي أبو محمد : وهذا هو الإثم الذي يقتضيه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ، قيل يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه ، فكأن هابيل أراد : أني لست بحريص على قتلك ، فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصا على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي ، وقيل المعنى : بإثمي الذي يختص لي فيما فرط لي أي يؤخذ من سيئاتي فيطرح عليك بسبب ظلمك لي « تبوء بإثمك » في قتلي وهذا تأويل يعضده قول النبي صلى اللّه عليه وسلم يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف ، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه ، وقوله تعالى :
وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ
يحتمل أن يكون من قول هابيل لأخيه ، ويحتمل أن يكون إخبارا من اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم . قوله عزّ وجل :

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 30 إلى 31 ]

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 ) فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 31 ) قراءة الجمهور
فَطَوَّعَتْ
والمعنى أن القتل في ذاته مستصعب عظيم على النفوس ، فرد ؟ ه هذه