تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
الصحيح أن الفترة بينهما ستمائة سنة . وهذه الآية نزلت بسبب قول اليهود : ما أنزل اللّه على بشر بعد موسى من شيء ، قاله ابن عباس ، وقوله تعالى :
أَنْ تَقُولُوا
مفعول من أجله ، المعنى حذار أن تقولوا محتجين يوم القيامة :
ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ
فقد جاءكم وقامت الحجة عليكم ،
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فهو الهادي والمضل والمنعم والمعذب لا رب غيره . قوله عزّ وجل :

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 20 إلى 22 ]

وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 20 ) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ( 21 ) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ( 22 ) المعنى واذكر لهم يا محمد على جهة إعلامهم بغير كتبهم ليتحققوا نبوتك وينتظم في ذلك نعم اللّه عليهم وتلقيهم تلك النعم بالكفر وقلة الطاعة والإنابة . وقرأ ابن محيصن « يا قوم » بالرفع وكذلك حيث وقع من القرآن . وروي ذلك عن ابن كثير ، و
نِعْمَتَ اللَّهِ
هنا اسم الجنس ، ثم عدد عيون تلك النعم ، والأنبياء الذين جعل فيهم أمرهم مشهور من لدن إسرائيل إلى زمان عيسى عليه السلام والأنبياء حاطة ومنقذون من النار وشرف في الدنيا والآخرة . وقوله :
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً
يحتمل معاني أحدها أن يعدد عليهم ملك من ملك من بني إسرائيل لأن الملوك شرف في الدنيا وحاطة من نوائبها ، والمعنى الآخر : أن يريد استنقذكم من القبط الذين كانوا يستخدمونكم فصرتم أحرارا تملكون ولا تملكون ، فهم ملوك بهذا الوجه وبنحو هذا فسر السدي وغيره . وقال قتادة إنما قال :
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً
لأنا كنا نتحدث أنهم أول من خدمه أحد من بني آدم . قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لأن القبط كانوا يستخدمون بني إسرائيل . وظاهر أمر بني آدم أن بعضهم كان يسخر بعضا مذ تناسلوا وكثروا ، وإنما اختلفت الأمم في معنى التملك فقط . وقال عبد اللّه ابن عمرو بن العاصي والحسن بن أبي الحسن وجماعة من أهل العلم من كان له مسكن وامرأة وخادم فهو ملك ، وقيل من له مسكن لا يدخل عليه فيه إلا بإذن فهو ملك ، وقوله تعالى :
وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ
قال فيه أبو مالك وسعيد بن جبير : الخطاب لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا ضعيف ، وقال جمهور المفسرين الخطاب هو من موسى عليه السلام لقومه ، ثم اختلف المفسرون ما ذا الذي أوتوا ولم يؤت أحد مثله ؟ فقال مجاهد ، المن والسلوى والحجر والغمام ، وقال غيره : كثرة الأنبياء . قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا في كثرة الأنبياء فالعالمون على العموم والإطلاق ، وعلى القول بأن المؤتى هو آيات موسى فالعالمون مقيدون بالزمان الذي كانوا فيه ، لأن أمة محمد قد أوتيت من آيات محمد عليه السلام أكثر من ذلك ، قد ظلل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بغمامة قبل مبعثه ، وكلمته الحجارة والبهائم ، وأقبلت إليه الشجرة وحن الجذع ، ونبع الماء من بين أصابعه وشبع كثير من الناس من