تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن * للغدر خائنة مغل الإصبع
وقرأ الأعمش : « على خيانة منهم » ، ثم استثنى تبارك وتعالى منهم القليل فيحتمل أن يكون الاستثناء في الأشخاص ، ويحتمل أن يكون في الأفعال ، وقوله تعالى :
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ
منسوخ بما في براءة من الأمر بقتالهم حتى يؤدوا الجزية وباقي الآية وعد على الإحسان . قوله عزّ وجل :

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 14 إلى 15 ]

وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 14 ) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ( 15 )
مِنَ
متعلقة ب
أَخَذْنا
التقدير : وأخذنا من الذين قالوا إنّا نصارى ميثاقهم ، ويحتمل أن يكون قوله
وَمِنَ
معطوفا على قوله
خائِنَةٍ مِنْهُمْ
[ المائدة : 13 ] ، ويكون قوله
أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ
ابتداء خبر عنهم . والأول أرجح . وعلق كونهم نصارى بقولهم ودعواهم ، من حيث هو اسم شرعي يقتضي نصر دين اللّه ، وسموا به أنفسهم دون استحقاق ولا مشابهة بين فعلهم وقولهم ، فجاءت هذه العبارة موبخة لهم مزحزحة عن طريق نصر دين اللّه وأنبيائه ، وقوله تعالى :
فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ
معناه أثبتناها بينهم وألصقناها ، والإغراء مأخوذ من الغراء الذي يلصق به ، والضمير في
بَيْنَهُمُ
يحتمل أن يعود على اليهود والنصارى لأن العداوة بينهم ، موجودة مستمرة ، ويحتمل أن يعود على النصارى فقط لأنها أمة متقاتلة بينها الفتن إلى يوم القيامة ، ثم توعدهم اللّه تعالى بعقاب الآخرة إذ أنباؤهم بصنعهم إنما هو تقرير وتوبيخ للعذاب ، إذ صنعهم كفر يوجب الخلود في النار . وقوله تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ
لفظ يعم اليهود والنصارى ولكن نوازل الإخفاء كالرحم وغيره إنما حفظت لليهود ، لأنهم كانوا مجاوري رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مهاجره ، وقال محمد بن كعب القرظي : أول ما نزل من هذه السورة هاتان الآيتان في شأن اليهود والنصارى ، ثم نزل سائر السورة بعرفة في حجة الوداع وقوله :
رَسُولُنا
يعني محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وفي الآية الدلالة على صحة نبوته . لأن إعلامه بخفيّ ما في كتبهم وهو أمي لا يقرأ ولا يصحب القراءة دليل على أن ذلك إنما يأتيه من عند اللّه تبارك وتعالى ، وأشهر النوازل التي أخفوها فأظهرها اللّه على لسان نبيه أمر الرجم ، وحديثه مشهور . ومن ذلك صفات محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى غير ذلك . و
مِنَ الْكِتابِ
يعني من التوراة وقوله :
وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
معناه ويترك كثيرا لا يفضحكم فيه إبقاء عليكم . وهذا المتروك هو في معنى افتخارهم ووصفهم أيام اللّه قبلهم ونحو ذلك مما لا يتعين في ملة الإسلام فضحهم فيه وتكذيبهم ، والفاعل في
يَعْفُوَ
هو محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويحتمل أن يستند الفعل إلى اللّه تعالى وإذا كان العفو من النبي عليه السلام فبأمر ربه ، وإن كان من اللّه تعالى فعلى لسان نبيه عليه السلام ، والاحتمالان قريب بعضهما من بعض .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 170 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى