وقال أكثر المفسرين : الرجلان يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى وكالب بن يوفنا ، ويقال فيه كلاب ، ويقال كالوث بثاء مثلثة ويقال في اسم أبيه يوفيا ، وهو صهر « موسى » على أخته ، قال الطبري : اسم زوجته مريم بنت عمران ، ومعنى
يَخافُونَ
أي اللّه ، وأنعم عليهما بالإيمان الصحيح وربط الجأش والثبوت في الحق ، وقال قوم المعنى يخافون العدو لكن
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا
بالإيمان والثبوت مع خوفهما ، ويقوي التأويل الأول أن في قراءة ابن مسعود : « قال رجلان من الذين يخافون اللّه أنعم عليهما » . وأما من قرأ بضم الياء فلقراءته ثلاثة معان ، أحدها ما روي من أن الرجلين كانا من الجبارين آمنا بموسى واتبعاه ، فكانا من القوم الذين يخافون لكن
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا
بالإيمان بموسى فقالا نحن أعلم بقومنا ، والمعنى الثاني أنهما يوشع وكالوث لكنهما من الذين يوقرون ويسمع كلامهم ويهابون لتقواهم وفضلهم . فهم « يخافون » بهذا الوجه .
والمعنى الثالث أن يكون الفعل من أخاف والمعنى من الذين يخافون بأوامر اللّه ونواهيه ووعيده وزجره ، فيكون ذلك مدحا لهم على نحو المدح في قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى
[ الحجرات : 3 ] وقوله تعالى :
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا
صفة للرجلين ، والباب هو باب مدينة الجبارين فيما ذكر المفسرون والمعنى اجتهدوا وكافحوا حتى تدخلوا الباب ، وقوله :
فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ
ظن منهما ورجاء وقياس أي إنكم بذلك تفتون في أعضادهم ويقع الرعب في قلوبهم فتغلبونهم ، وفي قراءة ابن مسعود « عليهما ويلكم ادخلوا » . وقولهما :
وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
يقتضي أنهما استرابا بإيمانهم حين رأياهم يعصون الرسول ويجبنون مع وعد اللّه تعالى لهم بالنصر .
ثم إن بني إسرائيل لجوا في عصيانهم وسمعوا من العشرة النقباء الجواسيس الذين خوفوهم أمر الجبارين ووصفوا لهم قوة الجبارين وعظم خلقهم فصمموا على خلاف أمر اللّه تعالى : و
قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
وهذه عبارة تقتضي كفرا ، وذهب بعض الناس إلى أن المعنى اذهب أنت وربك يعينك وأن الكلام معصية لا كفر .
قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : وقولهم
فَقاتِلا
يقطع بهذا التأويل ، وذكر النقاش عن بعض المفسرين أن المراد بالرب هنا هارون لأنه كان اسنّ من « موسى » وكان معظما في بني إسرائيل محببا لسعة خلقه ورحب صدره ، فكأنهم قالوا اذهب أنت وكبيرك .
قال القاضي أبو محمد : وهذا تأويل بعيد ، وهارون إنما كان وزيرا لموسى وتابعا له في معنى الرسالة ، ولكنه تأويل يخلص بني إسرائيل من الكفر ، وذكر الطبري عن قتادة أنه قال : بلغنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما عزم على قتال قريش في عام الحديبية ، جمع العسكر وكلم الناس في ذلك فقال له المقداد بن الأسود : لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل « اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هنا قاعدون » .
لكنا نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون . وذكر النقاش أن الأنصار قالت هذه المقالة للنبي صلى اللّه عليه وسلم .
قال القاضي أبو محمد : وجميع هذا وهم ، غلط قتادة رحمه اللّه في وقت النازلة ، وغلط النقاش في قائل المقالة ، والكلام إنما وقع في غزوة بدر حين نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذفران فكلم الناس