تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
الجماعة وفقد عيسى عمد إلى أحدهم وبطش بصلبه وفرق الناس عنه . وقال : هذا عيسى قد صلب وانحل أمره ، وقوله تعالى
وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
يعني اختلاف المحلولين لأخذه ، لأنهم حين فقدوا واحدا من العدد وتحدث برفع عيسى اضطربوا واختلفوا ، وعلى رواية من روى أنه ألقي شبه يوشك أنه بقي في ذلك الشبه مواضع للاختلاف ، لكن أجمعوا على صلب واحد على غير ثقة ولا يقين أيهم هو . قال القاضي - رحمه اللّه : الذي صح فيه نقل الكافة عن حواسها هو أن شخصا صلب ، وأما هل هو عيسى أم لا ؟ فليس من علم الحواس ، فلذلك لم ينفع في ذلك نقل كافة اليهود والنصارى ، ونفى اللّه عنهم أن يكون لهم في أمره علم على ما هو به ، ثم استثنى اتباع الظن وهو استثناء متصل ، إذ الظن والعلم يضمهما جنس واحد أنهما من معتقدات النفس ، وقد يقول الظان على طريق التجوز : علمي في هذا الأمر أنه كذا ، وهو يعني ظنه . وقوله تعالى :
وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً
اختلف المتأولون في عود الضمير من
قَتَلُوهُ
فقالت فرقة : هو عائد على الظن كما تقول : قتلت هذا الأمر علما ، فالمعنى وما صح ظنهم عندهم ولا تحققوه يقينا ، هذا قول ابن عباس والسدي وجماعة ، وقال قوم : الضمير عائد على عيسى ، أخبر أنهم لم يقتلوه يقينا ، فيصح لهم الإصفاق ويثبت نقل كافتهم ، ومضمن الكلام أنهم ما قتلوه في الحقيقة جملة واحدة لا يقينا ولا شكا ، لكن لما حصلت في ذلك الدعوى صار قتله عندهم مشكوكا فيه ، وقال قوم من أهل اللسان : الكلام تام في قوله
وَما قَتَلُوهُ
و
يَقِيناً
مصدر مؤكد للنفي في قوله
وَما قَتَلُوهُ
المعنى يخبركم يقينا ، أو يقص عليكم يقينا ، أو أيقنوا بذلك يقينا ، وقوله تعالى
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ
يعني إلى سمائه وكرامته ، وعيسى عليه السلام حي في السماء الثانية على ما تضمن حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج ، وذكره غيره ، وهو هناك مقيم حتى ينزله اللّه لقتل الدجال ، وليملأ الأرض عدلا ، ويحيا فيها أربعين سنة ثم يموت كما يموت البشر . وقوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
اختلف المتأولون في معنى الآية فقال ابن عباس وأبو مالك والحسن بن أبي الحسن وغيرهم : الضمير في
مَوْتِهِ
راجع إلى عيسى ، والمعنى أنه لا يبقى من أهل الكتاب أحد إذا نزل عيسى إلى الأرض إلا يؤمن بعيسى كما يؤمن سائر البشر ، وترجع الأديان كلها واحدا ، وقال مجاهد وابن عباس أيضا وغيرهما : الضمير في
بِهِ
لعيسى وفي
مَوْتِهِ
للكتابي الذي تضمنه قوله
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
التقدير : وإن من أهل الكتاب أحد ، قالوا : وليس يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى روح اللّه ، ويعلم أنه نبي ولكن عند المعاينة للموت ، فهو إيمان لا ينفعه ، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند المعاينة ، وقال هذا القول عكرمة والضحاك والحسن بن أبي الحسن أيضا ، وقال عكرمة أيضا : الضمير في
بِهِ
لمحمد عليه السلام ، و
قَبْلَ مَوْتِهِ
للكتابي ، قال : وليس يخرج يهودي ولا نصراني من الدنيا حتى يؤمن بمحمد ، ولو غرق أو سقط عليه جدار فإنه يؤمن في ذلك الوقت ، وفي مصحف أبي بن كعب « قبل موتهم » ففي هذه القراءة تقوية لعود الضمير على الكتابي ، وقرأ الفياض بن غزوان « وإنّ من أهل الكتاب » بتشديد « إن » . والضمير المستتر في يكون هو لعيسى عليه السلام في جل الأقوال ، ولمحمد عليه السلام في قول عكرمة .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 134 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى