و
مَرِيداً
معناه عاتيا صليبا في غوايته ، وهو فعيل من مرد : إذا عتا وغلا في انحرافه وتجرد للشر والغواية .
وأصل اللعن : الإبعاد ، وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب ، ويحتمل أن يكون
لَعَنَهُ
صفة الشيطان ، ويحتمل أن يكون خبرا عنه ، والمعنى يتقارب على الوجهين ، وقوله تعالى :
وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ
الآية ، التقدير : وقال الشيطان ، والمعنى ، لأستخلصنهم لغوايتي : ولأخصنهم بإضلالي وهم الكفرة والعصاة ، والمفروض معناه في هذا الموضع المنحاز ، وهو مأخوذ من الفرض وهو الحز في العود وغيره ، ويحتمل أن يريد واجبا أن أتخذه ، وبعث النار هو نصيب إبليس .
قوله تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 119 إلى 122 ]
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً ( 119 ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ( 120 ) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً ( 121 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً ( 122 )
قوله :
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ
معناه أصرفهم عن طريق الهدى ،
وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ
لأسولن لهم .
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه اللّه : وهذا لا ينحصر إلى نوع واحد من الأمنية ، لأن كل واحد في نفسه إنما تمنيه بقدر نصبته وقرائن حاله ، ومنه قوله عليه السلام : « إن الشيطان يقول لمن يركب ولا يذكر اللّه : تغن ، فإن لم يحسن قال له تمن » ، واللامات كلها للقسم ، « والبتك » : القطع . وكثر الفعل إذ القطع كثير على أنحاء مختلفة ، وإنما كنى عزّ وجل عن البحيرة والسائبة ونحوه مما كانوا يثبتون فيه حكما ، بسبب آلهتهم وبغير ذلك ، وقرأ أبو عمرو بن العلاء
وَلَآمُرَنَّهُمْ
بغير ألف ، وقرأ أبيّ « وأضلهم وأمنيهم وأمرهم » واختلف في معنى « تغيير خلق اللّه » ، فقال ابن عباس وإبراهيم ومجاهد والحسن وقتادة وغيرهم :
أراد : يغيرون دين اللّه ، وذهبوا في ذلك إلى الاحتجاج بقوله تعالى :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
[ الروم : 30 ] أي لدين اللّه ، والتبديل يقع موضعه التغيير ، وإن كان التغيير أعم منه ، وقالت فرقة : « تغيير خلق اللّه » هو أن اللّه تعالى خلق الشمس والنار والحجارة وغيرها من المخلوقات ليعتبر بها وينتفع بها ، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة ، وقال ابن عباس أيضا وأنس وعكرمة وأبو صالح :
من تغيير خلق اللّه الإخصاء ، والآية إشارة إلى إخصاء البهائم وما شاكله ، فهي عندهم أشياء ممنوعة ، ورخص في إخصاء البهائم جماعة إذا قصدت به المنفعة ، إما السمن أو غيره ، ورخصها عمر بن عبد العزيز في الخيل ، وقال ابن مسعود والحسن : هي إشارة إلى الوشم وما جرى مجراه من التصنع للحسن ، فمن ذلك الحديث : « لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الواشمات والموشومات والمتنمصات والمتفلجات