ثم أوجب تعالى أنه لا يغفر أن يشرك به ، وقد مضى تفسير مثل هذه الآية وما يتصل بها من المعتقد والبعد في صفة الضلال ، مقتض بعد الرجوع إلى المحجة البيضاء وتعذره وإن بقي غير مستحيل .
قوله تعالى :
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 117 إلى 118 ]
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً ( 117 ) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 118 )
الضمير في
يَدْعُونَ
عائد على من تقدم ذكره من الكفرة في قوله :
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ
[ النساء : 115 ]
إِنْ
نافية بمعنى « ما » ويدعون عبارة مغنية موجزة في معنيي : يعبدون ويتخذون آلهة ، وقرأ أبو رجاء العطاردي « إن تدعون » بالتاء من فوق ، ورويت عن عاصم ، واختلف في معنى « الإناث » ، فقال أبو مالك والسدي وغيرهما : ذلك لأن العرب كانت تسمي أصنامها بأسماء مؤنثة ، فاللات والعزى ومناة ونائلة .
قال القاضي أبو محمد عبد الحق : ويرد على هذا أنها كانت تسمي بأسماء مذكرة كثيرة ، وقال الضحاك وغيره : المراد ما كانت العرب تعتقده من تأنيث الملائكة وعبادتهم إياها ، فقيل لهم هذا على جهة إقامة الحجة من فاسد قولهم ، وقال ابن عباس والحسن وقتادة : المراد : الخشب والحجارة وهي مؤنثات لا تعقل ، فيخبر عنها كما يخبر عن المؤنث من الأشياء فيجيء قوله :
إِلَّا إِناثاً
عبارة عن الجمادات ، وقيل :
إنما هذا لأن العرب كانت تسمي الصنم أنثى فتقول : أنثى بني فلان .
قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وهذا على اختلافه يقضي بتعييرهم بالتأنيث وأن التأنيث نقص وخساسة بالإضافة إلى التذكير ، وقيل معنى
إِناثاً
أوثانا ، وفي مصحف عائشة « إن يدعون من دونه إلا أوثانا » وقرأ ابن عباس فيما روى عنه أبو صالح « إلا اثنا » يريد وثنا ، فأبدل الهمزة واوا ، وهو جمع جمع على ما حكى بعض الناس ، كأنه جمع وثنا على وثان ، كجمل وجمال ، ثم جمع وثانا على وثن كرهان ورهن وكمثال ومثل .
قال القاضي أبو محمد : وهذا خطأ ، لأن فعالا في جمع فعل إنما هو للتكثير والجمع الذي هو للتكثير لا يجمع وإنما تجمع جموع التقليل ، والصواب أن تقول وثن جمع وثن دون واسطة ، كأسد وأسد ، قال أبو عمرو : وبهذا قرأ ابن عمر وسعيد بن المسيب ومسلم بن جندب وعطاء ، وروي عن ابن عباس أنه قرأ « إلا وثنا » بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس ، وقرأ ابن عباس أيضا « وثنا » بضم الواو والثاء ، وقرأت فرقة « إلا وثنا » ، وقرأت فرقة « إلا اثنا » بسكون الثاء ، وقرأ النبي صلى اللّه عليه وسلم « إلا أنثا » بتقديم النون وهو جمع أنيث كغدير وغدر ونحو ذلك ، وحكى الطبري : أنه جمع إناث كثمار وثمر ، وحكى هذه القراءة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أبو عمرو الداني ، قال : وقرأ بها ابن عباس وأبو حيوة والحسن ، واختلف في المعنى ب « الشيطان » ، فقالت فرقة : هو الشيطان المقترن بكل صنم ، فكأنه موحد باللفظ جمع بالمعنى ، لأن الواحد يدل على الجنس ، وقال الجمهور : المراد إبليس وهذا هو الصواب ، لأن سائر المقالة به تليق ،