تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
وقوله تعالى :
لِإِخْوانِهِمْ
معناه لأجل إخوانهم وفي شأن إخوانهم ، ويحتمل أن يكون قوله :
لِإِخْوانِهِمْ
للأحياء من المنافقين ، ويكون الضمير في
أَطاعُونا
هو للمقتولين ، وقوله :
وَقَعَدُوا
جملة في موضع الحال وهي حالة معترضة أثناء الكلام ، وقوله :
لَوْ أَطاعُونا
يريد في أن لا يخرجوا إلى قريش ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن : « ما قتّلوا » بشد التاء ، وهذا هو القول بالأجلين ، فرد اللّه تعالى عليهم بقوله :
قُلْ فَادْرَؤُا
الآية ، والدرء الدفع ومنه قول دغفل النسابة : [ الرجز ]
صادف درء السّيل درءا يدفعه * والعبء لا تعرفه أو ترفعه
ولزوم هذه الحجة هو أنكم أيها القائلون : إن التوقي واستعمال النظر يدفع الموت ، فتوقوا وانظروا في الذي يغشاكم منه حتف أنوفكم ، فادفعوه إن كان قولكم صدقا ، أي إنما هي آجال مضروبة عند اللّه . وقرأ جمهور القراء : « ولا تحسبن » بالتاء مخاطبة للنبي عليه السلام ، وقرأ حميد بن قيس ، « ولا يحسبن » بالياء على ذكر الغائب ، ورويت عن ابن عمر وذكره أبو عمرو وكأن الفاعل مقدر : ولا يحسبن أحد أو حاسب ، وأرى هذه القراءة بضم الباء فالمعنى : ولا يحسب الناس ، ويحسبن ، معناه يظن ، وقرأ الحسن : « الذين قتّلوا » ، بشد التاء ، وابن عامر من السبعة ، وروي عن عاصم أنه قرأ : « الذين قاتلوا » بألف بين القاف والتاء ، وأخبر اللّه تعالى في هذه الآية عن الشهداء : أنهم في الجنة يرزقون ، هذا موضع الفائدة ، ولا محالة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل ، حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم ، قال الحسن بن أبي الحسن : ما زال ابن آدم يتحمد حتى صار حيا لا يموت بالشهادة في سبيل اللّه ، فقوله :
بَلْ أَحْياءٌ
مقدمة لقوله :
يُرْزَقُونَ
إذ لا يرزق إلا حي ، وهذا كما تقول لمن ذم رجلا : بل هو رجل فاضل ، فتجيء باسم الجنس الذي تركب عليه الوصف بالفضل ، وقرأ جمهور الناس : « بل أحياء » بالرفع على خبر ابتداء مضمر ، أي هم أحياء ، وقرأ ابن أبي عبلة ، « بل أحياء » بالنصب ، قال الزجّاج : ويجوز النصب على معنى بل أحسبهم أحياء ، قال أبو علي في الأغفال : ذلك لا يجوز لأن الأمر يقين فلا يجوز أن يؤمر فيه بمحسبة ، ولا يصح أن يضمر له إلا فعل المحسبة . قال القاضي : فوجه قراءة ابن أبي عبلة أن تضمر فعلا غير المحسبة ، اعتقدهم أو اجعلهم وذلك ضعيف إذ لا دلالة في الكلام على ما يضمر ، وقوله
عِنْدَ رَبِّهِمْ
فيه حذف مضاف تقديره : عند كرامة ربهم ، لأن
عِنْدَ
تقتضي غاية القرب ، ولذلك لم تصغر قاله سيبويه ، وورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بارق ، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا ، وروي عنه عليه السلام أنه قال : أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها . قال القاضي رحمه اللّه : وهؤلاء طبقات وأحوال مختلفة ، يجمعها أنهم يرزقون ، وقال عليه السلام : إنما نسمة المؤمن طير تعلق في ثمار الجنة ، ويروى يعلق بفتح اللام وبالياء ، والحديث معناه في الشهداء خاصة ، لأن أرواح المؤمنين غير الشهداء ، إنما ترى مقاعدها من الجنة دون أن تدخلها ، وأيضا فإنها لا ترزق ، وتعلق معناه : تصيب العلقة من الطعام ، وفتح اللام هو من التعلق ، وقد رواه القراء في إصابة
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 540 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى