تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
قال القاضي : وكأن الآية على هذا في قصة - أحد - لما نزل عليه :
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
[ آل عمران : 159 ] إلى غير ذلك مما استحسنوه بعد إساءتهم من العفو عنهم ونحوه ، وبالجملة فهو تأويل ضعيف ، وكان يجب أن يكون « يغل » بضم الياء وكسر الغين ، لأنه من الإغلال في الأمانة ، وأما قراءة من قرأ « أن يغل » بضم الياء وفتح الغين ، فمعناها عند جمهور من أهل العلم : أن ليس لأحد أن يغله : أي يخونه في الغنيمة ، فالآية في معنى نهي الناس عن الغلول في المغانم والتوعد عليه ، وخص النبي بالذكر وإن كان ذلك محظورا مع الأمراء لشنعة الحال مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأن المعاصي تعظم مع حضرته لتعين توقيره ، والولاة هم عن أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلهم حظهم من التوقير ، وقال بعض الناس : معنى « أن يغل » أن يوجد غالا ، كما تقول : أحمدت الرجل وجدته محمودا ، فهذه القراءة على هذا التأويل ترجع إلى معنى « يغل » بفتح الياء وضم الغين ، وقال أبو علي الفارسي : معنى « يغل » بضم الياء وفتح الغين يقال له : غللت وينسب إلى ذلك ، كما تقول أسقيته ، إذا قلت : سقاك اللّه كما قال ذو الرمة : [ الطويل ]
وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه * تكلّمني أحجاره وملاعبه
وهذا التأويل موقر للنبي عليه السلام ، ونحوه في الكلام : أكفرت الرجل إذا نسبته إلى الكفر ، وقول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : لا آكل سمنا حتى يحيا الناس من أول ما يحيون : أي يدخلون في الحيا وقوله تعالى :
وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ
وعيد لمن يغل من الغنيمة ، أو في زكاته ، فيجحدها ويمسكها ، فالفضيحة يوم القيامة بأن يأتي على رؤوس الأشهاد بالشيء الذي غل في الدنيا ، وروى أبو هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطب فقال : ألا يخشى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء ، يقول : يا رسول اللّه أغثني ، فأقول : لا أملك لك من اللّه شيئا قد أبلغتك ، ثم ذكر ذلك عليه السلام في بقرة لها خوار وجمل له رغاء ، وفرس له حمحمة ، وروى نحو هذا الحديث ابن عباس ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ، الحديث بطوله ، وروى نحوه أبو حميد الساعدي وعمر بن الخطاب وعبد اللّه بن أنيس ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أدوا الخياط والمخيط ، فقام رجل فجاء بشراك أو شراكين ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : شراك أو شراكان من نار ، وقال في مدعم ، إن الشملة التي غل من المغانم يوم خيبر لتشتعل عليه نارا . قال القاضي : وهذه الفضيحة التي يوقع اللّه بالغالّ ، هي نظيرة الفضيحة التي توقع بالغادر ، في أن ينصب له لواء بغدرته حسب قوله عليه السلام ، وجعل اللّه هذه المعاقبات حسبما يعهده البشر ويفهمونه ، ألا ترى إلى قول الحارد : [ الكامل ]
أسميّ ويحك هل سمعت بغدرة * رفع اللّواء لنا بها في المجمع
وكانت العرب ترفع للغادر لواء ، وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته ، وقد تقدم القول في نظير ،
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ *
[ البقرة : 281 ] . وقوله تعالى :
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ
الآية ، توقيف على تباين المنزلتين وافتراق الحالتين ،