تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 161 إلى 163 ]

وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 161 ) أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 162 ) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 163 ) تقدم القول في صيغة : وما كان لكذا أن يكون كذا ، في قوله تعالى :
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ
[ آل عمران : 145 ] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم « يغل » بفتح الياء وضم الغين ، وبها قرأ ابن عباس وجماعة من العلماء ، وقرأ باقي السبعة « أن يغل » بضم الياء وفتح الغين ، وبها قرأ ابن مسعود وجماعة من العلماء ، واللفظة : بمعنى الخيانة في خفاء ، قال بعض اللغويين هي مأخوذة من الغلل وهو الماء الجاري في أصول الشجر والدوح ، قال أبو عمرو : تقول العرب : أغل الرجل يغل إغلالا : إذا خان ، ولم يؤد الأمانة ، ومنه قول النمر بن تولب : [ الطويل ]
جزى اللّه عنّي جمرة ابنة نوفل * جزاء مغلّ بالأمانة كاذب
وقال شريح : ليس على المستعير غير المغل ضمان ، قال أبو علي : وتقول من الغل الذي هو الضغن : غل يغل بكسر الغين ، ويقولون في الغلول من الغنيمة : غل يغل بضم الغين ، والحجة لمن قرأ يغل أن ما جاء من هذا النحو في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل على نحو
ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
[ يوسف : 38 ]
ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ
[ يوسف : 76 ]
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ
[ آل عمران : 145 ]
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ
[ التوبة : 115 ]
وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ
[ آل عمران : 179 ] ولا يكاد يجيء : ما كان زيد ليضرب ، فيسند الفعل فيه إلى المفعول به ، وفي هذا الاحتجاج نظر ، وروي عن ابن عباس أنه قرأ « يغل » بضم الغين ، فقيل له : إن ابن مسعود قرأ « يغل » بفتح الغين ، فقال ابن عباس : بلى واللّه ويقتل ، واختلف المفسرون في السبب الذي أوجب أن ينفي اللّه تعالى عن النبي أن يكون غالا على هذه القراءة - التي هي بفتح الياء وضم الغين ، فقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم : نزلت بسبب قطيفة حمراء فقدت من المغانم يوم بدر ، فقال بعض من كان مع النبي صلى اللّه عليه وسلم : لعل رسول اللّه أخذها فنزلت الآية . قال القاضي أبو محمد : قيل : كانت هذه المقالة من مؤمنين لم يظنوا أن في ذلك حرجا ، وقيل كانت من منافقين ، وقد روي أن المفقود إنما كان سيفا ، قال النقاش : ويقال : إنما نزلت لأن الرماة قالوا يوم أحد : الغنيمة الغنيمة أيها الناس ، إنما نخشى أن يقول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : من أخذ شيئا فهو له ، فلما ذكروا ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : خشيتم أن نغل ؟ ونزلت هذه الآية ، وقال الضحاك : بل السبب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث طلائع في بعض غزواته ثم غنم قبل مجيئهم ، فقسم للناس ولم يقسم للطلائع ، فأنزل اللّه تعالى عليه عتابا ،
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ
أي يقسم لبعض ويترك بعضا ، وروي نحو هذا القول عن ابن عباس ، ويتجه على هذا أن تكون الآية إعلاما بعدل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقسمه للغنائم ، وردا على الأعراب الذين صاحوا به : اقسم علينا غنائمنا يا محمد ، وازدحموا حتى اضطروه إلى السمرة التي أخذت رداءه ، ونحا إليه الزجّاج ، وقال ابن إسحاق : الآية إنما نزلت إعلاما بأن النبي عليه السلام لم يكتم شيئا مما أمر بتبليغه .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 535 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى