بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ
يقول : من فعل ما نهيت عنه من السخرية ، واللمز والنبز ، فهو فاسق ، و
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ
فلا تفعلوا ذلك ، فتستحقّوا ( اسم الفسوق ) وقيل : معناه بئس الاسم الذي تسميه ، بقولك فاسق ، بعد أن علمت أنّه آمن .
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ
. . .
الآية نزلت في رجلين من أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم اغتابا رفيقيهما ، وذلك
أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا غزا أو سافر ، ضمّ الرجل المحتاج إلى رجلين موسورين يخدمهما ، ويحقب حوائجهما ، ويتقدّم لهما إلى المنزل ، فيهيّئ لهما ما يصلحهما من الطعام ، والشراب ، فضم سلمان الفارسي رضي اللّه عنه إلى رجلين في بعض أسفاره ، فتقدّم سلمان ، فغلبته عيناه ، فلم يهيّئ لهما شيئا ، فلمّا قدما ، قالا له : ما صنعت شيئا ؟ قال : لا . قالا : ولم ؟ قال : غلبتني عيناي ، فقالا له : انطلق إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، واطلب لنا منه طعاما وإداما ، فجاء سلمان إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وسأله طعاما ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له : إن كان عنده فضل من طعام ، وإدام ، فليعطك » .
وكان أسامة خازن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى رحله ، فأتاه ، فقال : ما عندي شيء ، فرجع سلمان إليهما ، وأخبرهما بذلك ، فقالا : كان عند أسامة ، ولكن بخل ، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة ، فلم يجد عندهم شيئا ، فلمّا رجع سلمان ، قالا : لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ، ثمّ انطلقا يتجسّسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم .
فلمّا جاءا إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهما : « ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما » قالا : يا رسول الله ، والله ما تناولنا يومنا هذا لحما ، فقال : « ظللتم تأكلون لحم سلمان ، وأسامة » [ 71 ] « 1 » .
فأنزل الله سبحانه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا
قرأه العامّة ( بالجيم ) وقرأ ابن عبّاس ، وأبو رجاء العطاردي ( ولا تحسّسوا ) ( بالحاء ) ، قال الأخفش : ليس يبعد أحدهما عن الآخر . إلّا أنّ التجسّس لما يكتم ، ويوارى ، ومنه الجاسوس ، والتحسس ( بالحاء ) تخبر الأخبار ، والبحث عنها ، ومعنى الآية خذوا ما ظهر ، ودعوا ما ستر الله ، ولا تتّبعوا عورات المسلمين .
أخبرني ابن منجويه ، قال : حدّثنا ابن شنبه ، قال : حدّثنا الفريابي قال : حدّثنا قتيبة بن سعد ، عن مالك ، عن أبي الزياد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إيّاكم
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : 16 / 331 .