تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
فالتفت الرجل إلى بني إسرائيل وقال : هذا هو التائب المخلص . ثم قال لداود : يا نبي اللّه لئن يغفر اللّه لي ذنبا واحدا أحبّ إلي من كل شيء وهبته لي ، ولكني كنت أجرّبكم . فأخذوا في بناء بيت المقدس ، وكان داود ( عليه السلام ) ينقل لهم الحجارة على عاتقه وكذلك خيار بني إسرائيل حتى رفعوه قامة . فأوحى اللّه تعالى إلى داود ( عليه السلام ) : « إنّ هذا بيت مقدّس وإنك رجل سفاك للدماء فلست ببانيه إذا لم أقضي ذلك على يدك ، ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان ، أسلّمه من سفك الدماء وأقضي إتمامه على يده ، وذلك صيته وذكره لك باقيا » « 1 » . فصلوا فيه زمانا ، وداود يومئذ ابن سبع وعشرين ومائة سنة ، فلما صار من أبناء أربعين ومائة سنة توفّاه اللّه واستخلف سليمان . فأحبّ بناء بيت المقدس ، فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال فخص كل طائفة منهم بعمل يستصلحها له . فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض الصافي من معادنه ، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفاح ، وجعلها اثني عشر ربضا ، وأنزل كل ربض منها سبطا من الأسباط وكانوا اثني عشر سبطا . فلما فرع من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد ، فوجّه الشياطين فرقا ، يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها والدر الصافي من البحر ، وفرقا يقلعون الجواهر والحجارة من أماكنها ، وفرقا يأتونه بالمسك والعنبر ، فأتي من ذلك بشيء لا يحصيه إلّا اللّه تعالى ، ثم أحضر الصنّاعين وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة وتصييرها ألواحا ، وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللئالئ فكانوا يعالجونها ، فتصوّت صوتا شديدا لصلابتها ، فكره سليمان تلك الأصوات . فدعا الجن وقال لهم : « هل عندكم حيلة في نحت هذه الجواهر من غير تصويت ؟ » . فقالوا : يا رسول اللّه ، ليس في الجن أكثر تجارب ، ولا أكثر علما من صخر العفريت ، فأرسل إليه من يأتيك به . فطبع سليمان خاتمه طابعا - وكان يطبع للشياطين بالنحاس ، ولسائر الجن بالحديد - وكان إذا طبع أحدهما بخاتمه لمع ذلك كالبرق الخاطف ، فكان لا يراه أحد : جني ولا شيطان إلّا انقاد له بإذن اللّه عزّت قدرته . فأرسل الطابع مع عشرة من الجن فأتوه وهو في بعض جزائر البحور ، فأروه الطابع ، فلما نظر إليه كاد يصعق خوفا ، فأقبل مسرعا مع الرسل حتى دخل على سليمان ( عليه السلام ) . فسأل سليمان رسله عما أحدث العفريت في طريقه . فقالوا : يا رسول اللّه إنه كان يضحك بعض الأحايين من الناس . فقال له سليمان ( عليه السلام ) : « ما رضيت بتمردك عليّ في ترك المجيء إليّ طائعا حتى صرت تسخر بالناس ؟ » .
هامش
( 1 ) بتفاوت في تفسير مجمع البيان : 8 / 203 .
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 76 | الثعلبي / نظير الساعدي